إذن ما دام سبحانه قد قال: {لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً} فالذي يأتي من بعدها إنما يأتي كوسيلة للعلم ، وهي حواس السمع والإبصار والقدرة على تكوين الخبرة . ومثال ذلك عندما ندرس في الفقه موضوع الغصب . والغصب هو أن يأخذ أحد حق غيره قهراً وعلانية ، وهو غير السرقة التي يأخذها السارق خفية . وغير الخطف ؛ لأن الخطف هو أن تمتد يد لتشد شيئاً من أمام صاحبه ويجري الخاطف بعيداً ، أما الغصب فهو الأخذ عنوة .
وكلها - الغصب ، والسرقة ، والخطف - هي أخذ لغير الحق ، والغصب مأخوذ من أمر حسيّ هو سلخ الجلد عن الشاة . وسُمِّيَ أخذ الحق من صاحبه غصباً ، كأنه أخذ للجلد . ونُقل المعنى من المُحسّات إلى المعنويات . وفي الآية التي نحن بصددها يقول الحق: {لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الملائكة المقربون} . و"يستنكف"مثلها مثل"يستفهم"، ومثل"يستخرج".
إذن فهناك مادة اسمها"نكف"، و"النَّكْف"عملية حسّية تتمثل في أن يزيل الإنسان دمعة العين بأصبعه . ولنفرض أن إنساناً يعلم أن له كرامة في البيت وجاء له ظرف نفسي جعله يبكي ، فدخل عليه ابنه أو زوجته ، فهو يحاول إزالة الدمع بأصبعه ."واستنكف"معناها أزال"النَّكْف".
والنكف معناه أن يزيل الدمع بأصبعه . وإزالة الدمع بالأصبع تعني أن صاحب الدمع يستكبر أن يراه أحد باكياً لأنه مقهور على أمر قد كان ، وهذه العملية لا تحدث إلا عندما يريد الإنسان أن يستر بكاءه عن أحد .
وانتقلت هذه الكلمة من المعنى الحسيّ إلى أي مجال فيه استعلاء ، مثلما يستنكف إنسان أن يسير في طريق إنسان آخر ، أو أن يجلس مع آخر ، أو يجلس في مقعد أقل من مقعد آخر .