ثم تلك الجهود الموصولة منذ عهد نوح، وتلك التضحيات النبيلة التي لم تنقطع على مدار التاريخ من رسل يُكفر بهم، أو يُستهزأ بهم، أو يُّحرقون بالنار، أو يُنشرون بالمناشير، أو يَهجرون الأهل والديار من أجل إعلاء كلمة الله؟.
وما بذله محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وأتباعه من جهود قل أن يثبت لها أحد، ثم تتوالى الجهود المضنية، والتضحيات المذهلة من القائمين على الدعوة من بعده في كل أرض، وفي كل جيل؟.
والجواب: نعم.
فإن استقرار حقيقة الإيمان بالله في الأرض، وإقامة منهجه في حياة الناس، يساوي كل هذا الجهد، وكل هذا الصبر، وكل هذه المشقة، وكل هذه التضحيات النبيلة المطردة من الرسل وأتباعهم الصادقين في كل زمان ومكان.
فالحياة بدون الإيمان وبدون شريعة الله ضلال وظلام، وفساد وطغيان، وبغي وعدوان، وظلم وفسق، وشقاء وعناء: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164) } [آل عمران: 164] .
ولا تسعد البشرية ولا تستقيم حياتها إلا باتباع منهج الله، وتحكيم شرعه في جميع الأمور، ونبذ ما سواه: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) } [الأنعام:
فإذاً لا بدَّ من أداء الأمانة، والقيام بالوظيفة؛ ليبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، ويدخل الإيمان كل بيت، وكل قلب، ويسمع الناس كلام ربهم، ويذكروه بألسنتهم، ويطيعوه ويعبدوه وحده لا شريك له {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52) } [إبراهيم: 52] .
ولا بدَّ من جهد بشري لإقرار حقيقة الإيمان في عالم الإنسان، هذا الجهد اختار الله له صفوة من عباده هم الأنبياء والرسل، وقلة مختارة من أتباعهم هم المؤمنون الصادقون.