وفرق كبير بين الحق والسحر، وإنما هي دعوى، وكفار قريش هم أول من يعلم بطلانها، وما كان كفار وكبراء قريش ليغيب عنهم أنه الحق كما قال سبحانه: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) } [الأنعام: 33] .
وقد اعترضوا على اختيار الله لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، الذي أرسله الله إليهم حاملاً الحق والنور كما قال سبحانه: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) } [الزخرف: 31] .
وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذؤابة قريش، ثم من ذؤابة بني هاشم، وهم في العلية من العرب، كما كان معروفاً بحسن الخُلق، والصدق، والأمانة قبل بعثته، قد جمع المجد من أطرافه.
ولكنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن زعيم قبيلة، ولا رئيس عشيرة، في بيئة تعتز بمثل هذه القيم القبلية، والله أعلم حيث يجعل رسالته، ولقد اختار الله لها من يعلم أنه لها أهل، ولعله سبحانه لم يشأ أن يجعل لهذه الرسالة سنداً من خارج طبيعتها، ولا قوة من خارج حقيقتها، فاختار لها رجلاً ميزته الكبرى حسن الخلق، وهو من طبيعة هذه الدعوة، وسمته البارزة التجرد لعمله، وهو من حقيقة هذه الدعوة.
ولم يختره زعيم قبيلة، ولا رئيس عشيرة، ولا صاحب جاه، ولا صاحب ثراء، كي لا تلتبس قيمة واحدة من هذه القيم الأرضية بهذه الدعوة النازلة من السماء،
ولكي لا تزدان هذه الدعوة بحلية من حلي هذه الأرض ليست من حقيقتها في شيء.
ولكي لا يكون هناك مؤثر مصاحب لها خارج عن ذاتها المجردة، ولكي لا يدخلها طامع، ولا يتنزه عنها متعفف.
فلما اعترضوا على اختيار العليم الخبير لرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - رد عليهم القرآن مستنكراً هذا الاعتراض على رحمة الله واختياره: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) } [الزخرف: 32] .