ومن مقتضيات هذا الإيمان التوكل على الله، فالإيمان بالله وحده يقتضي التوكل عليه وحده دون سواه، وهذا الشعور ضروري لكل مؤمن، كي يقف رافع الرأس، لا يحني رأسه إلا لله، مطمئن القلب بالله، لا يرجو ولا يرهب أحداً إلا الله.
فهذا هو التوحيد في أكمل صوره، إيمان بالله وأسمائه وصفاته، ويقين أنه لا يستطيع أحد في هذا الوجود أن يفعل شيئاً إلا بمشيته، وأنه لا يقع شيء إلا بإذنه، ومن ثم يقصر توكله على ربه، ولا يتوجه المؤمن في فعل ولا ترك لمن عداه، وطهارة القلب ونظافة السلوك من كبائر الإثم والفواحش أثر من آثار الإيمان الصحيح، وضرورة من ضرورات القيادة الراشدة.
وما يبقى قلب على صفاء الإيمان ونقاوته وهو يقدم على كبائر الذنوب والمعاصي ولا يتجنبها، وما يصلح قلب للقيادة وقد فارقه صفاء الإيمان، وطمسته المعصية، وذهبت بنوره السيئات.
ولقد ارتفع الإيمان في قلوب تلك العصبة المؤمنة حتى بلغت في سلوكها وأخلاقها وأعمالها ما تحار فيه العقول، وتأهلت بذلك لقيادة البشرية قيادة غير مسبوقة ولا ملحوقة.
والله سبحانه يعلم ضعف الإنسان، فجعل الحد الذي يصلح به للقيادة والذي ينال معه ما عند الله هو اجتناب كبائر الإثم والفواحش، لا صغائر الآثام والذنوب كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) } [الشورى: 37] .
ورحمة الله واسعة، فتسع ما يقع من الإنسان من هذه الصغائر؛ لأنه أعلم بطاقته، وهذا فضل من الله، وسماحة ورحمة بهذا الإنسان، وذلك يوجب الحياء من الله، فالسماحة تخجل، والعفو يثير في القلب الكريم معنى الحياء من العفو.
ومن صفات تلك العصبة المختارة أنهم إذا ما غضبوا يغفرون، وتأتي هذه الصفة بعد الإشارة الخفية إلى سماحة الله مع الإنسان في ذنوبه وأخطائه، فتحبب في السماحة والمغفرة بين العباد.
والله عزَّ وجلَّ لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولا يحملها فوق طاقتها، فهو يعلم أن الغضب انفعال بشري ينبع من فطرته، وهو ليس شراً كله، فالغضب لله ولدينه وللحق والعدل مطلوب وفيه الخير.