فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 184

منها أو مثلها. وبعبارة أخرى، فإن هذه الآيات لا تفيد بأن هذا الأمر قد حصل فعلا. ويشبهه قول أحدنا في مستوى البشر"إن جربتني ستجد ما يسرك".

وكثر اللغط حول قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا. وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} . [1] فقد استغل أعداء الإسلام واغتر بهم بعض تلاميذهم فعمدوا إلى خلق قصص خيالية، مثل أن النبي، صلى الله عليه وسلم، رأى زوجة زيد خلسة في بيته فوقعت في نفسه، وكأنه لم يراها من قبل وهي التي كانت تتردد علي بيت النبوة من صغرها إلى أن كبرت، فخطبها لزيد.

ذكر القرطبي، عن سبب الآية، عن علي بن الحسين أن اللَّه أوحى إلى نبيّه، صلى الله عليه وسلم، أن زيدًا سيطلق زينب وأن اللَّه يزوجها رسوله، صلى الله عليه وسلم. وبعد أن علم هذا بالوحي قال لزيد: أمسك عليك زوجك. وأن الذي أخفاه في نفسه هو أن اللَّه سيزوّجه زينب رضي اللَّه عنها. ثم قال القرطبي بأن العلماء قالوا هذا هو أحسن قول في قوله تعالى وتخفي في نفسك ما الله مبديه. [2]

وأصل زواجها كما ورد عند البخاري وآخرين عن أنس، رضي الله عنه، قال: جاء زيد بن حارثة رضي الله عنه يشكو زينب إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اتق الله وامسك عليك زوجك فنزلت {وتخفي في نفسك ما الله مبديه.} ومن يعرف النبي، صلى الله عليه وسلم، الذي وصفه الله {وإنك لعلى خلق عظيم} يدرك أن الحقيقة تتمثل في احتمالين:

1.ما أشار إليه القرطبي.

2.أو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشفق على الزواج غير الموفق بسبب التقاليد التي كانت سائدة ولا تزال بصورة أخف. فزيد كان مولى عند النبي فأعتقه، وكان شديد السمرة. أما زينب فكانت ابنة عمة النبي صلى الله عليه وسلم. وعندما جاءه زيد يشاوره في تطليق زينب لأنه يرى أن الزواج كان فاشلا فأخفى موافقته لرأي زيد، ممنيا نفسه بنجاح الزواج، مع مضي الوقت. [3] ويدل على ذلك قوله تعالى في بداية سورة الأحزاب: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم، وما جعل أدعياءكم أبناءكم.} [4] وكانت زينب قد رضيت بزيد زوجا، احتراما للنبي، صلى الله عليه وسلم، مع صعوبة ذلك عليها وعلى ذويها. فكافأها الله بأن زوجها للنبي، صلى الله عليه وسلم، بأمر منه، واختار أن تكون الحادثة مناسبة لتشريع جديد، أي قوله تعالى: وإذ تقول للذي أنعم الله عليه

(1) الأحزاب:26 - 37.

(2) أضواء البيان ج 6: 240

(3) دلائل النبوة ج 7: 285؛ الطب النبوي ج 1: 206 - 27؛ السيرة الحلبية ج 2: 483 - 484؛

(4) سورة الأحزاب: 4 - 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت