فهو يستعرض هذه الجزئية، ويناقشها هي فقط إذا لزم الأمر. ولا علاقة له بالأجزاء الأخرى، فلا يذكرها، لا بخير ولا بشر. ولا يقول مثلا:"ومع الاحترام والتقدير لابن تيمية فإنه لم يتعرض للموضوع في فتاواه (أكثر من ثلاثين مجلدا) إلا بشكل متناثر."فهذا القول يقتضي من الباحث قراءة المجلدات كلها، قراءة دقيقة؛ ولا يكفي معها تصفح قائمة محتوياتها.
والأصل أن يورد الباحث ما أورده ابن تيمية موثقا مما له صلة بموضوع بحثه، بدلا من إصدار حكم على مجلدات لم يقرأها قراءة كافية أولم يقرأها كلية، وإنما اطلع على قائمة محتوياتها فقط.
ومن المفروض أن يتجنب إصدار أحكام بالنقص أو القصور دون تقديم الدليل على تلك الدعوى. ومن الأخطاء الشائعة أن يقول الباحث"لقد كتب فلان في الموضوع ولكن لم يوفه حقه ..."وهو يتحدث عن كتاب ضخم مثلا، ربما لم يطلع على عناوينه الفرعية اطلاعا كافيا. فالأفضل أن يسوق الأدلة فقط، وإذا لزم التعليق فلابد أن يسند تعليقه هذا بأدلة تسبقه. فيقول مثلا:"قال فلان كذا وكذا ... ويلاحظ أن هذا القول لا يشمل بعض الجوانب مثل ..."
ومن المفروض تجنب بدء الاستعراض بقول الباحث:"لم أجد أحدا كتب في الموضوع ..."
فالأصل أن يقدم الباحث مساهمات الآخرين في الموضوع ملخصة أو كما هي. ويترك للقارئ فرصة المقارنة بين مساهمات الدراسات السابقة وحدود المشكلة المقترحة ليستنتج لنفسه وجه القصور في تلك الدراسات. ثم يقدر بنفسه درجة الحاجة إلى البحث المقترح، لاستكمال النقص أو لمعالجة السلبيات. ولا بأس في أن ينبه الباحث القارئ إلى وجه القصور بعد تقديم الدليل.
أما إذا لم يجد موادأًّ علمية وثيقة الصلة فيشير إلى التي تليها، من حيث درجة الصلة ثم له أن يختتم ذلك بقوله:"هذا ما وجدت في الموضوع بعد بذل الجهد"بدلا من القول"ليس هناك سوى هذا في الموضوع."
وبعبارة أخرى، على الباحث أن يتجنب صيغة النفي قدر الإمكان. فلا يستخدم عبارات مثل:"ليس هناك"أو"لا يوجد"أو"لم أجد". ولكن بدلا من ذلك يقول:"وجدت كذا وكذا"و"كتب فلان كذا وكذا عن الموضوع". فلا يحمل نفسه مسئولية النفي ابتداء. فالنفي من أصعب الأمور. فقد ينفي الإنسان وجود شخص بعينه في مبنى محدد لأنه-في أحسن الأحوال-نظر في غرفه كلها واحدة بعد الأخرى. ولكن لعل الشخص كان في غرفة لم ينظر فيها بعد، ثم دخل غرفة بعد أن نظر فيها، دون أن يراه الباحث.
ومن المعلوم أن عملية الاستعراض لا تتم بصورة مقبولة إلا بالتحليل. وهذا يعني حصر المعلومات المتناثرة في المراجع المختلفة. والحصر هنا عملية نسبية تختلف باختلاف الموضوعات. (انظر مكونات الاستعراض في هذا الفصل.)
وتختلف كمية المستعرض من الدراسات السابقة باختلاف اللجان المجيزة للخطة. فقد تجيز اللجنة الخطة باستعراض الباحث للنماذج البارزة واستكمال الاستعراض عند كتابة تقرير البحث. وقد تطالبه بالاستعراض النهائي في الخطة.
لهذا قد يكون الحصر نهائيا عند إعداد الخطة أحيانا ولا يكون نهائيا في حالات أخرى.