قال الله تعالى: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [العنكبوت:46] . فانظر كيف جمعت هذه الآية الكريمة بين أمرِ المسلمين بالتمسّكِ بالحقّ وهو توحيدُ الله تعالى والإسلامُ له وبالدعوةِ إلى ذلك وبين حُسن معاملة أهل الكتاب. ومِن بلاغةِ هذه الآية وجمالها أنه لم يأمر تعالى بالجدال بالتي هي أحسن فلم يقل: وجادلوا أهل الكتاب بالتي هي أحسن، وإنما نهى عن كلّ جدالٍ إلا الجدال بالتي هي أحسن، وهذا أبلغ في الأمر بمراعاة الأدب في النقاش والحوار والمناظرة، مما يدلّ على براءة الإسلام من التعصّب والحقد الدينيّ، وأنه ليس عنده إلا مقارعةُ الحجّة بالحجّة.
3-إن الدينَ عند الله الإسلام:
دندَن بعضُ المتعصِّبين والحاقدين على الإسلام وأهلِه حولَ قول الله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19] ، زاعمين أنّ هذه الآيةَ الكريمة تربِّي المسلمين على التعصُّب الدينيّ وكُره الآخَر، وهذا كلّه تشويه مكشوف واتِّهام مفضوح وبُعدٌ سحيق عن الموضوعية العلمية والتجرّد في النقد الذي يتغنّى به أمثال هؤلاء الحاقدين.
فليس في الآيةِ تعرّضٌ لموقفِ المسلم من غيرِ المسلمين وطريقةِ التعامُل معهم، وإنما فيها تقريرُ عقيدة المسلم التي يعتقِدها ولا يرى الحقَّ إلا فيها، وهي أنّ الدينَ الحقَّ هو الإسلام، وأنّ هذا الإسلام هو دين جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وليس عيبًا ولا منقصةً أن يتمسّكَ الإنسان بما يراه حقًّا ويعتزَّ به ويتمدّح بالانتماء إليه ويقيم البراهين على أن لا حقَّ ولا نجاةَ إلا به، فمثلُ هذا الصنيع لا ينكره أحد، فكلّ صاحب مبدأ يعتزّ بمبدئه ويفتخر به ويقيم الأدلّة عليه ويدافع عنه، وهل أرسِلَت الرسل وأنزلت الكتب إلا لإحقاق الحقّ وإبطال الباطل؟! فليس من الحقِّ ولا مِن العَقل أن يطالَبَ الإنسان باسمِ التسامُح ومحاربة التعصّب والحِقد الدينيّ أن يتنازلَ عن قناعاتِه التي يَرَاها حقًّا بل ويرَى نجاتَه فيها، وأن يعتقدَ أنّ الحقَّ الذي معه باطل، وأنّ الباطل الذي مع غيره حقّ؛ ولذا جاءت قاعدة الإسلام الخالدة تقرِّر ذلك بنصّ واضحٍ جليّ: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ .
ومن تأمّل الآيةَ الكريمة بتجرُّدٍ وموضوعيّة أدرك أنها الحقّ الذي ليس وراءه إلا الباطل، وذلك أنّ الرسلَ والأنبياءَ كلَّهم لإلهٍ واحد، وهذه المقدّمة صحيحةٌ عند جميع أهل الأديان السماوية، وإذا كان الأمر كذلك فمن المستحيل أن يكونَ أصلُ دينهم مختلِفًا متباينًا، ولزمَ أن يكون دينهم متّفقًا في الأصل وهو توحيد الله تعالى والإسلامُ له وإن اختلفت الشرائع، ومن هنا يُعلَم صِدقُ قول الله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ .
قال ابن تيمية:"ولفظ الإسلام يتضمّن الاستسلام والانقياد، ويتضمّن الإخلاص، مأخوذ من قوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لّرَجُلٍ [الزمر:29] ، فلا بدّ في الإسلام من الاستسلام لله وحدَه، وترك الاستسلام لما سواه، وهذا حقيقة قولنا: لا إله إلا الله، فمن استسلم لله ولغير الله فهو مشرك... ومن لم يستسلم له فهو مستكبر عن عبادته" [1] .
وقال:"وأما الإخلاص فهو حقيقةُ الإسلام؛ إذِ الإسلام هو الاستسلام لله لا لغيره... فمن لم يستسلِم له فقد استكبر، ومن استسلم لله ولغيره فقد أشرك، وكلٌّ من الكبر والشرك ضدُّ الإسلام، والإسلام ضدُّ الشرك والكبر، وذلك في القرآن كثير؛ ولهذا كان الإسلام شهادةَ أن لا إله إلا الله، وهي متضمنة عبادةَ الله وحدَه وتركَ عبادة ما سواه، وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله من أحدٍ من الأوّلين والآخرين دينًا سواه" [2] .