فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 4557

لا بد أن نكون أكثر من الآخرين عدلًا ورحمة بالعباد .. هذا إذا أردنا أن يتنزل علينا نصر الله .. وأردنا للأمة أن تستأنف عزها ومجدها ودورها الريادي من جديد .. فالله تعالى يُحب العدل وينصر أهله .. ويبغض الظلم ويخذل أهله، وفي الحديث القدسي:"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظاَّلموا"مسلم.

وقال (:"اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرًا؛ فإنه ليس دونها حجاب" [(1) ] .

... لا أثر للقيم الحضارية ولا فاعلية لها في قيام الحضارات إن لم تتجسد هذه القيم في سلوك وواقع وحياة أتباعها .. فالقيم مهما كانت عظيمة وراقية تبقى معانٍ مجردة لا أثر لها في الوجود والواقع .. إلى أن يأتي من يأخذها بقوة وصدق، فيحييها ويترجمها إلى سلوك وواقع في حياته وحياة الآخرين العملية.

... لذا لا يكفي أن نتكلم عن عظمة الإسلام كعقيدة، وشريعة، وأخلاق، وقيم حضارية راقية وحسب من دون أن نجسد هذه العقيدة والقيم في سلوكنا وواقعنا وجميع جوانب حياتنا، فالسيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها لما سُئلت عن خُلق النبي ( قالت:"كان خلُقه القرآن"؛ أي كانت أخلاقه وسيرته ( خير ترجمان وتفسير للقرآن الكريم .. تريد أن ترى القرآن مفسرًا ومترجمًا ترجمة عملية فانظر إلى حياة ومواقف وأعمال المصطفى (!

من هنا جاء الوعيد الشديد بحق من يقول ولا يفعل، ويَعلَم ويُعلِّم ولا يلتزم في نفسه، وينهى عن خُلق ثم يأتيه أو يأتي ما هو أسوأ منه، كما قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (الصف:2-3.

... لا يكفي أن نقول كان آباؤنا .. كان أجدادنا .. ونطيل الوقوف على أطلالهم .. إذ لا بد كذلك من أن نقول ها نحن .. وأن نصنع المجد بأيدينا وبدمائنا وعرقنا كما صنعوا .. ونجاهد كما جاهدوا!

... هذه الحقيقة ـ رغم كثرة المعوقات الشاقة التي يصطنعها طواغيت الحكم والكفر في بلاد المسلمين .. أمام عملية التغيير ـ أصبحت تُعيد كثيرًا من المسلمين إلى رشدهم وإسلامهم .. وأخلاق وقيم دينهم الحنيف .. وها نحن ـ ولله الحمد ـ نشهد صحوةً إسلامية مباركة .. وأوبة جادة وصادقة إلى الحق من شرائح عدة من أبناء الأمة .. وعلى مستوى امتداد الأمة كلها وفي جميع أمصار المسلمين .. وهي تعتبر الخطوات الأولى ـ إن شاء الله ـ نحو النصر والتمكين والسؤدد ( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج:40.

... ـ الحوار بين الحضارات.

فإن قيل: هل يُفهم من القول بحتمية الصراع بين الحضارات المتنافرة في مفاهيمها وقيمها وثوابتها يعني عدم الانتفاع من إجراء الحوار بين تلك الحضارات، وتحديدًا بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية الديمقراطية النصرانية؟!

(1) أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة: 767.

... أقول: الحوار بين حضارة الإسلام والآخرين وجدالهم بالتي هي أحسن بابه مفتوح لا يمكن إغلاقه؛ لأن الإسلام دين رحمة للعالمين .. وبالتالي لا بد من بذله للآخرين بالتي هي أحسن، وبأسلوب أخلاقي يرقى إلى مستوى عظمة هذا الدين، إذ لا إكراه في الدين، كما قال تعالى:( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (البقرة:256. وقال تعالى:( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (النحل:125. فأمرنا ربنا ( بمجادلتهم بالتي هي أحسن، أي بالطريقة التي تؤلف قلوبهم على الإسلام وحب الإسلام، وليس على تنفيرهم. وقال تعالى:( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (سبأ:46.

وقال تعالى:( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (آل عمران:64. لا بد من أن يتسم الحوار بهذه الصراحة، وهذا الوضوح:( تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ (؛ فإن أعرضوا وأبَوا إلى أن يتخذوا بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله .. وأن يُعبِّدوا العبيدَ للعبيد .. ينتهي الحوار .. وتأتي المفاصلة التامة بكل وضوح، ومن دون أدنى تلجلج أو ارتباك، بقولنا لهم:( اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (، لكم دينُكم ولنا دين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت