ومنها: أن الحضارة الإسلامية شاملة لجميع جوانب الحياة: التعبدية، والأخلاقية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والعلمية .. لا تنافر بين العقيدة الإسلامية وبين تلك الشمولية .. بخلاف الحضارة الغربية النصرانية القائمة على عقيدة وثقافة فصل الدين عن الدولة، والسياسة، والحياة، وحصر الدين في الجانب الاعتقادي وحسب، فالحضارة الغربية لم تعد تعرف من شؤون دينهم سوى الولاء والتعصب الطائفي الصليبي .. ومن دون أدنى التزام بتعاليم ومبادئ الديانة النصرانية حتى بعد حصول التحريف لها .. لعلمهم واعتقادهم أن دينهم المحرف الذي تلاعبت به أيدي الأحبار والرهبان ـ ومنذ زمن ـ لا يلبي حاجيات وتطلعات الشعوب والمجتمعات، كما أنه لا يصلح لشؤون الحكم والسياسة، ومناحي الحياة الأخرى!
ومنها: أن الحضارة الإسلامية قائمة على التصور والاعتقاد بأن السيادة المطلقة في الأرض وفي السماء لله تعالى وحده، كما قال تعالى:( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (الزخرف:84. وأن هذا الكون ـ وما فيه ومن فيه ـ من ملكه ( .. وهو خالقه والمتصرف به كيفما يشاء .. ( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (الأنبياء:23. وبالتالي فإن الإنسان مخلوق لله تعالى ومملوك له، وهو مُستخلف في الأرض لإعمارها وفق قانون وشرع الله، وهو محاسب ومسؤول عما استرعاه الله إياه واستأمنه عليه، لا يجوز له أن يخرج عن شريعة وتعاليم مالك وخالق هذا الكون في شيء .. بينما الحضارة الغربية النصرانية قائمة على أن السيادة المطلقة هي للإنسان، وأن الإنسان هو المالك الحقيقي للأشياء .. وأنه هو الإله المطاع في الأرض، وبالتالي من حقه أن يقبل ما يشاء، ويرد ما يشاء، ويحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويفعل ما يشاء وفق ما يهوى ويريد!
وكنتيجة لما تقدم عُرفت الحضارة الإسلامية بالمحافظة على القيم والأخلاق الحميدة التي شرعها الله تعالى لعباده .. بخلاف الحضارة الغربية ـ كنتيجة لما تقدم ـ فقد عُرفت بالتحلل، والتفسخ، والسفور، والإباحية .. والشذوذ الأخلاقي!
وكنتيجة لما تقدم كذلك عُرفت القيم الحضارية في الإسلام بالثبات .. فهي لا تقبل التغير والتبدل مهما تقادمت عليها الأزمان وإلى يوم القيامة .. بينما القيم الحضارية للحضار الغربية الديمقراطية النصرانية .. فهي في تقلب وتغير مستمر .. لا قرار لها ولا ثبات .. فما تستحسنه أهواؤهم ورغباتهم من قيم حضارية اليوم قد تستقبحه في اليوم التالي .. وما تستقبحه في اليوم التالي قد تستحسنه في اليوم الذي بعده .. وهكذا إلى ما لا نهاية!
وكنتيجة لما تقدم كذلك فإن السلوك الإنساني في الحضارة الإسلامية يخضع للشعور والإيمان بمراقبة الله تعالى له والتي لا تغيب عنه لحظة واحدة .. وبالتالي فهو منضبط وملتزم بمبادئ وأخلاق دينه وحضارته في السر والعلن .. في الرضى والسخط .. وفي حال حضور الرقيب من البشر وفي حال غيابه، فالأمر عنده سيان .. بخلاف السلوك الإنساني في الحضارة الغربية النصرانية لا قيمة عنده لرقابة الله تعالى له .. وإنما القيمة كلها لرقابة الحاكم وجنده .. ورقابة قانونه .. ورقابة الكاميرات المسلطة عليه .. فهو يلتزم بالقانون وينضبط سلوكيًا ما شعر بمراقبة القانون والكاميرات له .. ويتهرب منه ومن تبعاته .. ويتحول إلى إنسانٍ آخر ومختلف .. ما شعر بغياب رقابة القانون والكاميرات عنه، وما أكثر الأوقات التي تغيب فيها رقابة القانون عن الناس؛ وهذا يعني أن الإنسان الغربي النصراني يفقد الوازع الذاتي الداخلي .. والرقابة الذاتية التي تحمله على الالتزام بما يُملى عليه من قوانين .. وأخلاقيات .. وسلوكيات إيجابية .. لذا فهو يحتاج إلى رقابة السلطات والكاميرات الخفية والظاهرة على مدار الوقت [ (1) ] !
ومنها: أن الحضارة الإسلامية قائمة على الموازنة بين الروح والمادة؛ وإعطاء كل جانب حقه من غير إفراط ولا تفريط .. بينما الحضارة الغربية النصرانية قائمة على الجانب المادي وحسب، وإلى درجة التخمة .. وبالتالي فهي تعاني من فراغ قاتل في الجانب الروحي .. وهو ما يفسر ظاهرة فشو القلق النفسي، والانتحار عند الإنسان الأوربي!