فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 4557

الطرف الآخر العدو مستمر في العدوان والغزو .. مستمر في تغذية الصراع .. والأحقاد والكراهية بين الشعوب .. لم يتوقف ساعة واحدة .. وفي المقابل تجد دراويش المثقفين من بني جلدتنا ينادون ويُطالبون الضحية من المسلمين بضرورة التعايش مع الآخر، وضرورة وقف صراع الحضارات .. وكأن المشكلة تكمن عند المسلمين .. وأن المسلمين هم الذين يمارسون العدوان على الطرف الآخر .. لا غيرهم!

ـ التوفيق بين القول بصراع الحضارات، وموقف دول الغرب من الحريات الدينية التي يمنحونها للمسلمين في بلادهم؟

فإن قيل: كيف نوفق إذًا بين الموقف الدولي والغربي الرأسمالي الديمقراطي الذي يسمح بحرية الاعتقاد، وحرية المسلمين في أن يمارسوا شعائرهم الدينية وبين القول بأنهم يُحاربون الإسلام والمسلمين .. وأنهم يغذون مبدأ صراع الحضارات؟!

أقول: فهم إذ يسمحون أن تُمارس شعائر الإسلام التعبدية على مستوى علاقة الفرد بخالقه ( .. فهم لا يسمحون بالإسلام السياسي .. ولا بالإسلام القوي المتسلح بأسباب القوة والمنعة المادية الذي يقوى على مواجهة الحضارات الأخرى، والوقوف أمام زحفها .. ولا بالإسلام المستقل الذي يحكم البلاد والعباد وفق عقيدته ومنهجه ونظامه .. كما يجب أن يكون .. وكما أمر الله تعالى .. ولا بالإسلام الذي يتدخل في حياة الناس .. وشؤونهم العامة؛ على مبدأ قاعدتهم الكافرة المعروفة، التي تقوم حضارتهم على أساسها، مبدأ:"فصل الدين عن السياسة والدولة .. والحياة .. وأن ما لله لله؛ وهي الشعائر التعبدية المحصورة بعلاقة الفرد مع خالقه .. وما لقيصر لقيصر؛ وهو جميع شؤون الحكم والحياة"!

بل حتى ممارسة الشعائر التعبدية ذات الطابع الفردي .. عندما يكون لها دلالة سياسية معينة .. أو قد تنعكس على حياة الناس بما لا يحلو لهم .. ولا يريدون .. تراهم يمنعونها ويُحاربونها؛ كموقف راعية الحرية ـ زعموا! ـ فرنسا من مسألة حجاب المرأة المسلمة في فرنسا .. وقد تابعها على موقفها هذا عدد من الدول الغربية .. علمًا أن الحجاب لا يتعدى أن يكون فعلًا مقصورًا على المستوى الفردي الشخصي لا يمكن أن يتعدى إلى غيره .. ونحوه موقفهم المتشدد والعنصري من لحية الرجل المسلم .. أو أي زي يرتديه ينم عن هويته أو انتمائه الإسلامي!

وكذلك تدخلهم في سياسة المساجد ونشاطاتها .. وأوقات فتحها وإغلاقها .. ومن يدخل إليها ومن يخرج منها .. وتحديد موضوع خطبة الجمعة الذي سيُقرأ على المصلين فيها .. وإعداد الأئمة وبرمجتهم بما يتوافق مع القيم والعادات الغربية .. ومع ذلك فهم لا يتورعون أن يُملئوا بيوت الله بالدبابير والجواسيس الذين يتجسسون على عورات المسلمين وهم في بيوت الله لصالح

الظالمين الذين يريدون أن يُطفئوا نور الله [ (1) ] !

فهم بفعلهم وقولهم هذا قد طابقوا فعل وقول مَن قبلهم من المشركين، كما قال تعالى عنهم:( فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (الأنعام:136. فتطابقت قلوبهم قبل أن تتطابق أقوالهم وأفعالهم ..!

ويُقال كذلك: أنَّ هذا القدر من الحرية الدينية الذي يُمنح للمسلمين ـ والذي هو في انتقاص مستمر ـ هو من جملة الحرية الدينية المسموح بها لجميع الطوائف والأديان الأخرى الموجودة في بلادهم .. وبالتالي ليس من السهل عليهم أن ينصوا القوانين التي تستثني صراحة المسلمين أو الدين الإسلامي من هذه الحرية الممنوحة للآخرين!

ومن كيد القوم ـ أرباب الحضارة الغربية الصليبية ورهبانها ـ ومكرهم ضد أي عملية جادة تستهدف استنهاض الأمة واستئناف حياة إسلامية راشدة، أنهم زرعوا في بلاد العرب والمسلمين ـ ومنذ عقود عدة ـ معوقات عدة تحيل بين المسلمين وأهدافهم .. منها طواغيت الكفر والظلم، وأنظمة ديكتاتورية ظالمة كفرها وظلمها مغلظ ومركب، لتقوم بالنيابة عنهم بمحاربة واستئصال أي توجه إسلامي جاد .. وهذه الأنظمة الفاشية الديكتاتورية الكافرة .. تلقى منهم كل دعم وتأييد ومباركة مقابل القيام بمهمتهم هذه .. وعلى قدر قيامهم بها بالشكل الفاعل والمؤثر يلقون الدعم والتأييد والمباركة!

من سياسة دول الغرب الديمقراطي النصراني المعتمدة نحو دول الشرق الأوسط .. أنهم يمدون حبلين: حبلًا يصلون به طواغيت الحكم الظالمين الديكتاتوريين فيقوونهم على الشعوب المقهورة وبخاصة عندما هؤلاء الطواغيت يقومون بواجب الخدمة والعمالة على الوجه المطلوب .. وحبلًا آخر يمدون به الشعوب المقهورة بنوع عطف وإحسان من خلال التعاطف مع بعض قضايا حقوق الإنسان .. وفي نفس الوقت يستقوون بالشعوب وغضب وثورة الشعوب .. على تأديب الحكام في حال خرج طواغيت الحكم عن شيء من السياسات المرسومة لهم والمُملاة عليهم من الخارج .. فهي سياسة الكيل بمكيالين!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت