21-عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني؛ فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجّين أو معتمرين؛ فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر..."الحديث."
ووجه الدلالة: أن هؤلاء التابعين رجعوا في معرفة حقيقة مقالة معبد الجهني وأصحابه إلى فهم الصحابة ومنهجهم؛ فدلّ على أن التابعين يرون حجية منهج الصحابة، وأن المحدثات بعدهم يجب عن تعرض على منهجهم وفهمهم؛ لأنه المعيار في قبول ذلك أو ردّه.
22-عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما من نبي بعثه الله قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف: يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون؛ فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".
ووجه الدلالة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف أصحاب النبي بأنهم يقتدون بأمره ويأخذون بسنته، ومن كان كذلك فوجب الإقتداء به؛ لأنه السبيل إلى الإقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم.
وأما الخلوف فهي مخالفة للأمر والسنة فلا يُقتدى بها ولا يعول عليها؛ لأنها خالفة مخالفة، فتبين أن فهم الصحابة الأبرار والتابعين الأخيار هو المعيار.
23-ورد في أحاديث الخوارج قوله صلى الله عليه وسلم:"تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم".
ووجه الدلالة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قارن صلاة الخوارج وصيامهم مع صلاة الصحابة وصيامهم، ولما كان الخوارج على غير منهج الصحابة وقد تواترت الأحاديث بذمهم والتحذير منهم تبين أن منهج الصحابة هو الحق الذي لا مرية فيه؛ فمن تمسك به كان على صراط مستقيم ومن خالفه تفرقت به السبل عن البيضاء النقية.
وهذا يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل فهم الصحابة - رضي الله عنهم - وعملهم ميزانًا لوزن أفهام وأعمال من بعدهم؛ فمن وافقهم فقد نجا وإلا فلا يَلومنَّ إلا نفسه.
24-قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك".
قال ابن قيم الجوزية:"فالنبي صلى الله عليه وسلم ترك أصحابه على ملة قويمة مستقرة، ومحجة بيضاء ناصعة، لا خفاء فيها، ولا لبس، ولا إبهام، لا عذر لمن انحرف عنه؛ لأن الحجة قامت عليه وبلغته".
وذلك من خصوصيات الصحابة، لأنهم هم دون غيرهم الآخذون المتلقون المبلغون، والناس تبع لهم في العلم بهذا البيان الناصع، وعالة عليهم في ذلك، لأن هذا أمر لم يتفق لغيرهم أصالة.
فكل ما خفي وأشكل واشتبه؛ فبيانه وجلاؤه في علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: معتقدهم، وأقوالهم، وأفعالهم، وكل دينهم، جَهِله من جَهِله، وعلِمه من علِمه.
وهذا قاض بوجوب العودة إلى علمهم عند كل إشكال ولبس واختلاف"."
25-قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الافتراق:"وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا ملة واحدة: ما أنا عليه وأصحابي".
قال ابن قيم الجوزية:"والحديث يبين وقوع الافتراق في الملة بعده صلى الله عليه وسلم، وأنه يكون على ثلاث وسبعين ملة، وأن الفرق الممثلة بهذه الملل كلها إلى النار، وأنها تنجو فرقة واحدة، رغم انتسابها جميعها إلى الإسلام؛ هي: من كان على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه."
وهذا يدلك على أن فيصل التفريق بين الحق والباطل إنما هو إتباع الصحابة فيما كانوا عليه؛ لأن كل الفرق المنحرفة تنتسب إلى السنة، ولا تجرؤ على التبرؤ منها.
فإتباع ما عليه الصحابة زمن النبوة، وما تركهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو مناط النجاة والهداية، وخلافه من سبل الفرق الهالكة، التي هي تحت الوعيد بمخالفتها منهج الصحابة.
ولا بد أن يكون الوصف المؤثر في هلاك تلك الفرق، والذي تعلق به وقوعهم تحت الوعيد هو مخالفة هدى الصحابة؛ ما دام أن الوصف الوحيد المؤثر في النجاة - كما ذكر الحديث - موافقة منهاج النبوة، وسبيل المؤمنين الذي كان عليه الصحابة.
وهذا يقتضي أن إتباع منهج الصحابة وما كانوا عليه، مما تلقوه من كتاب الله وسنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم واجب يهلك بتركه الهالكون، ويسعد بأخذه الفائزون، وهو إتباع أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم في التدين كله"."
26-وقد جاء في حديث الافتراق وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الفرقة الناجية بأنها:"الجماعة".
قال ابن قيم الجوزية:"وفي نصوص القرآن والسنة نصوص كثيرة في الحضِّ على الجماعة والأمر بها."
وهذا اللفظ النبوي يفيد أن الجماعة هم أصحابه - رضي الله عنهم -؛ لأنه لم تكن آنذاك جماعة غير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومعنى لزوم الجماعة: لزوم أقوالهم في التحليل والتحريم وعدم الخروج عليها.