قال الله تعالى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِِّثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } المائدة.
فهذه المحرمات أُبيح أكلها عند اشتداد جوع الذي يخشى على نفسه الهلاك، وقد جعل الله شريعته قائمة على اليُسْر، ورفع الحرج في مجالات كثيرة، لا يتسع الوقت لذكرها.
فما هي الضرورة التي جعلت أصحاب «الانتخابات» يختارون هذا الطريق؟
هم يقولون: نحن مضطرون، وإن لم نفعل فسيسحبونا بلحانا، ويمنعونا من إقامة الإسلام، حتى من الصلاة في المساجد، وتعليم القرآن وعدم السماح بالخطب والمحاضرات.. إلى آخر ما يقولونه.
ومن جهة ثانية: أن الضرورة شرعت لإزالة الضرر، فهل سيزول الضرر الذي بالمسلمين، بدخولكم في المجالس البرلمانية؟
فإن قالوا: نعم، فهذا غير صحيح، وخذ مثالًا على ذلك، وهو: أن الرئيس/ أنور السادات في آخر حكمه اعتقل عشرات الآلاف من الإسلاميين، وكان يوجد في مجلس الشعب المصري كتلة برلمانية لهم، فلم يستطيعوا أن يعملوا شيئًا، وكذلك في السودان عندما اعتقل النميري الإسلاميين، وكان من الإسلاميين مستشارون له في أعلى قمة السلطة، فلم يستطيعوا أن يعملوا شيئًا، إذ أن أحوال المسلمين هي هي، ولم يحصل إلا زيادة شر في أماكن، وقلة شر في أماكن أخرى.
إذن هذا الأمر الأول يبطل الاحتجاج بأنها ضرورة، وذلك أن الضرورة شرعت لإزالة الضرر، وهنا لم يحصل، وها هي ستون سنةً قد مضت على هذه الأقوال، ونحن نجد الأمور كل يوم تزداد سوءًا، حتى في سلوك القائلين بذلك.
والظاهر أن إخواننا سامحهم الله، وقفوا في عدة خنادق، فإن أُحيط بهم في خندق، صاحوا من آخر، فأول ذلك أنها شورى، ثم مصلحة مرسلة، ثم أخف الضررين، ثم ضرورة وإكراه.
فإن لم ينفع هذا كله، فالجواب منهم: ماذا تريدون أن نفعل؟! أنترك الأمور لأعداء الإسلام؟! واستطردوا من الأمثلة العقلية غير الصحيحة، وإلا فالعقل الصريح لا يناقض النقل الصحيح، كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
ومن لم تنفعه الأدلة، ولم ينفعه واقع المسلمين في هذه المجالس النيابية منذ أكثر من نصف قرن، وهم ينحدرون فيها إلى الأسفل، فلا يبالي بالأدلة المذكورة هنا، إلا أن يشاء الله عز وجل، وإلى الله المشتكى.
وأما قولهم: «وإن لم نفعل فسيسحبونا بلحانا..» إلخ.
فجوابه:
من المعلوم أن الله جعل العداوة بين أهل الحق وأهل الباطل، وقد يسلّط الله أهل الباطل على أهل الحق. فالواجب على أهل الحق الصبر، ولا يجوز لهم أن يسلكوا طرقًا غير مشروعة، من أجل مقاومة الأعداء.
( المرجع: رسالة: تنوير الظلمات بكشف مفاسد وشبهات الانتخابات ،لمحمد الإمام ، ص 194-196) .
الشبهة (14) :قولهم: نحن ندخل «الانتخابات» ونرتكب أخف الضرريْن
يقولون: نحن نشارك في «الانتخابات» وهي شرٌّ، ولكننا نرتكب أخف الضررين، لتحقيق مصلحة كبرى!
فنقول:
أخف الضررين عندكم المشاركة في المجالس النيابية. وإليك بيان هذا الضرر الخفيف عندهم:
سؤال 1: من الحاكم في مجلس النواب: الله أم البشر؟
الجواب: البشر.
سؤال 2: إذا كان حكم البشر هو السائد في المجالس النيابية، فهل هذا شرك أكبر أم أصغر؟
الجواب: شرك أكبر.
سؤال 3: ولماذا كان شركًا أكبر؟
الجواب: لأن حكم الله معطّل، وهناك من لم يقرّ بحاكمية الله عز وجل، وإنما الحكم للأغلبية.
وقد تقدم أن المجالس البرلمانية الحاكم فيها هو البشر، بل يُردّ حكم الله ويُعترض عليه، فهذا شرك أكبر بلا شك. وإذا كان شركًا تصادر فيه شريعة الله، فهل بقي ذنب أكبر من الشرك الأكبر أو الكفر الأكبر الذي يقول الله تعالى فيه: { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا } النساء.
فلما كان الشرك - وهو أعظم الذنوب - لا يغفر الله لصاحبه إذا مات عليه، والرسول صلى الله عليه وسلم سُئل: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك» قيل: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك..» . الحديث متفق عليه من حديث عبد الله بن مسعود.