هذا التفسير لآية {وَلَن تَسْتَطِيعُوَاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النّسَآءِ} وعليه إجماع المفسرين قديمًا وحديثًا ، وعليه إجماع الفقهاء والمجتهدين في كل العصور ولو أخذنا بآية {وَلَن تَسْتَطِيعُوَاْ أَن تَعْدِلُواْ.. } على ظاهرها لكان بينها وبين آية {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النّسَآءِ مَثْنَىَ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ .. } تناقض ، والقرآن الكريم منزة عن الخلل والتناقض ، بل هو غاية في الإبداع والإحكام ورصانة النظم ، وسمو التشريع ، لقوله تبارك وتعالى {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمّ فُصّلَتْ مِن لّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (6) ، {أَفَلاَ يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (7) ؛ ويتلخص مما تقدم: أن المقصود بالعدل في الآية هو الحب القلبي ، وهذا ما عليه تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم للآية ، وما عليه إجماع الأئمة كما بيّنا سابقًا.
(1) سورة النساء الآية 3
(2) أي ومادخل تحت ولايتهم.
(3) سورة النساء الآية 129
(4) رواه أصحاب السنن وابن حبان في صحيحه.
(5) هذه ملاحظة من موقع"طريق الحقيقة"، ضعف هذا الحديث الإمام الألباني رحمة الله في ضعيف سنن أبي داود رقم الحديث 2134
(6) سورة هود الآية 1
(7) سورة النساء الآية 82
-من العلماء الموثوقين وعلى رأسهم الإمام الشافعي - رحمة الله - من اشترط القدرة على الإنفاق لمن أراد التعدد ، وهذا الاشتراط للإمام الشافعي مبني على فهم خاص للآية: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً ... ذَلِكَ أَدْنَىَ أَلاّ تَعُولُواْ} ، وهذا الفهم تؤيده قواعد اللغه كما سيأتي. قال الإمام البيهقي في كتابه (أحكام القرآن) الذي جمعه من كلام الشافعي -رحمه الله- في مصنفاته: (وقوله: {أَلاّ تَعُولُواْ} أي لايكثر من تعولون إذا اقتصر المرء على واحدة وإن أباح له أكثر منها) ا هـ صحيفة 260 . وقد أيد الكسائي وأبو عمر الدُّوري وابن الأعرابي ماذهب إليه الشافعي في تفسير قوله تعالى {أَلاّ تَعُولُواْ} أي لاتكثر عيالكم ، قال الكسائي - أبوالحسن علي ابن حمزة -: العرب تقول: عال يعول، وأعال يُعيل أي كثر عياله (8) . ومما يؤيد مايذهب إليه الشافعي لغة حمير ، قال الثعلبي المفسّر: قال أستاذنا أبوالقاسم بن حبيب: سألتُ أبا عمر الدُّوري عن هذا -وكان إمامًا في اللغة غير مدافع- فقال: هي لغة حمير ، وأنشد:
إن الموت يأخذ كل حيّ بلاشك وإن أمشي وعَالا
يعني وإن كثرت ماشيته وعياله (8)
وقال أبو حاتم: (كان الشافعي أعلم بلغة العرب منا) ، وقرأ طلحة بن مصِّرف (ألّا تُعِيلوا) والمعنى ألا تكثر عيالكم وهي حجة الشافعي. وهذا الفهم للإمام الشافعي ومن ذهب مذهبه يفيد ضمنًا اشتراط القدرة على الإنفاق لمن أراد التعدد إلا أنه شرط ديانة (9) لا شْرط قضاء.
وبعد: فهذه هي أهم الأحكام التي شرعها الله في نظام التعدد ، وهي متفقة كل الاتفاق مع الواقع الاجتماعي والحالة المادية ، فالذي يأنس من نفسه أنه لايستطيع أن يعدل إن تزوج بأكثر من واحدة ، أو لم يكن عنده النفقة مايسد حاجة الزوجتين أو الثلاث: من مسكن ، وطعام ، وكسوة ؛ فلا يجوز له شرعًا أن يعدد ؛ حتى لايقع في الظلم الذي حرمه الإسلام ، وبالتالي لاتقع الزوجة الثانية بالمضارَّة التي نهي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (لاضرر ولاضرار) (10) ، فهو حديث ، وقاعدة أصولية كما هو معلوم.
هذا وإن التعدد - حين لايتحقق فيه جانب العدل - يوقع الزوج في مشاكل عائلية ، تؤدي في الغالب إلى تنافر بغيض ، وعداوَة مستحكمة ؛ مما يجعل حياة الزوج جحيمًا لايطاق ، وربما انتقل هذا التنافر والعداء إلى أولاد الزوجات ، فينشأ الإخوة بينهم من البغضاء والشحناء ما يؤول إلى الفرقة والهجران ، وعدم استقرار الحياة الزوجية.
وفي تقديري أن المشاكل العائلية ناتجة عن سبيين رئيسيين:
الأول: ناتج عن الرجل لكونه لم يتحقق جانب العدل المادي في جميع المجالات: العدل في النفقة ، العدل في المعاملة ، العدل في القسمة ، العدل في الحقوق.
الثاني: ناتج عن المرأة لكونها تنظر إلى الحياة بمنظار الأنانية وعدم تفهم الواقع ، ومصلحة المجتمع ، بل تنساق وراء عواطفها وأهوائها انسياقًا أعمى دون تحكيم لعقل ، أو نظر إلى مصلحة.
وإذا قامت الحياة الزوجية على أساس من التربية الإسلامية ، والتهذيب الاجتماعي ، والرقابة الإلهية ، عاش المجتمع في ظلال الزوجية على أحسن مايكون من السعادة الحقة ، والاستقرار الكامل ، والعيش الهانيء الرغيد. ومثل هذه التربية تجعل التعدد - حين تقتضية الظروف - قليل المساوئ والأضرار ، حسن النتائج والآثار ، فلا زوجات تحركها العواطف والأهواء ، ولا أولاد تفرقهم العداوات والخصومات ، بل بيت إسلامي تعمره الفضيلة والأخلاق ، ويملؤه الحب والإخلاص ، ويشيع في رحابه الهناءة والاستقرار.