هذه بعض من حروب بنى إسرائيل التي سجلتها نصوص كتبهم وأسفارهم ، فمفهوم الحرب والقتال ، ليس مفهومًا كريهًا من وجهة النظر التوراتية ، وكأنها حروب مستمدة من الشريعة الدينية التوراتية ، وهى كانت دائما تتم بمباركة الرب ومعونته وكأن الرب ـ حسب تعبير التوراة ـ قد استل سيفه من غمده فلا يرجع (47) .
الحرب في العهد الجديد:
كذلك نرى الإنجيل لم يهمل الكلام عن الحروب بالكلية ، بل جاء نص واضح صريح ، لا يحتمل التأويل ولا التحريف يقرر أن المسيحية على الرغم من وداعتها وسماحتها التي تمثلت في النص الشهير"من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر"ـ إلا أنها تشير إلى أن السيد المسيح ـ عليه السلام ـ قد يحمل السيف ويخوض غمار القتال إذا دعته الظروف لذلك ؛ فجاء في الإنجيل على لسان السيد المسيح:
"لا تظنوا أنى جئت لأرسى سلامًا على الأرض ، ما جئت لأرسى سلامًا ، بل سيفًا ، فإني جئت لأجعل الإنسان على خلاف مع أبيه ، والبنت مع أمها والكنة مع حماتها وهكذا يصير أعداء الإنسان أهل بيته" (48) .
ولعلنا نلاحظ التشابه الكبير بين هذه المقولة وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: [ بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده ] (49) .
مما سبق يتبين لنا واضحًا وجليا أن الحرب والقتال سنة كونية سرت في الأمم جميعًا، ولم نر في تاريخ الأمم أمة خلت من حروب وقتال ، ورأينا من استعراض الكتب المقدسة ـ التوراة والإنجيل ـ أنه سنة شرعية لم تخل شريعة من الشرائع السماوية السابقة على الإسلام من تقريره والقيام به كما مر.
لقد كان هذا القدر كافيا في إثبات أن محمدًا صلى الله عليه وسلم سائر على سنن من سبقه من الأنبياء ، وأن الجهاد لتقرير الحق والعدل مما يمدح به الإسلام ؛ لا مما به يشان ، وأن ما هو جواب لهم في تبرير هذه الحروب وسفك الدماء كان جوابًا لنا في مشروعية ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم من القتال والجهاد.
ولنشرع الآن في تتميم بقية جوانب البحث مما يزيل الشبهة ويقيم الحجة ويقطع الطريق على المشككين ، فنتكلم عن غزوات النبي صلى الله عليه وسلم ، ممهدين لذلك بالحالة التي كانت عليها الجزيرة العربية من حروب وقتال وسفك للدماء لأتفه الأسباب وأقلها شأنًا ، حتى يبدو للناظر أن القتال كان غريزة متأصلة في نفوس هؤلاء لا تحتاج إلى قوة إقناع أو استنفار.
الحرب عند العرب قبل الإسلام
سجلت كتب التاريخ والأدب العربي ما اشتهر وعرف بأيام العرب ، وهى عبارة عن مجموعة من الملاحم القتالية التي نشبت بين العرب قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس يعنينا سرد هذه الملاحم وتفاصيلها ولكن الذي يعنينا هنا أن نقف على بعض الجوانب التي تصلح للمقارنة (الأسباب ـ الزمن المستغرق ـ الآثار التي خلفتها هذه الحروب) .
قال العلامة محمد أمين البغدادي:"اعلم أن الحروب الواقعة بين العرب في الجاهلية أكثر من أن تحصر ، ومنها عدة وقائع مشهورة لا يتسع هذا الموضع لذكرها ولنذكر بعضًا منها على سبيل الإجمال" (50) .
وقد ذكرت كتب التواريخ أيامًا كثيرة للعرب (البسوس ـ وداحس والغبراء ـ يوم النسار ـ يوم الجفار ـ يوم الفجار ـ يوم ذي قار ـ يوم شعب جبلة ـ يوم رحرحان 000 إلخ) والمتأمل في هذه الملاحم والأيام يرى أن الحماسة الشديدة والعصبية العمياء وعدم الاكتراث بعواقب الأمور والشجاعة المتهورة التي لا تتسم بالعقل ، كانت هي الوقود المحرك لهذه الحروب ، هذا فضلًا عن تفاهة الأسباب التي قامت من أجلها هذه المجازر ، والمدة الزمنية الطويلة التي استمرت في بعضها عشرات السنين ، والآثار الرهيبة التي خلفتها هذه الحروب ، وعلى الرغم من أننا لم نقف على إحصاء دقيق لما خلفته هذه الحروب إلا أن الكلمات التي قيلت في وصف آثارها من الفناء والخراب وتيتم الأطفال وترمل النساء 000 إلخ لتوقفنا على مدى ما أحدثته الحرب في نفوس الناس من اليأس والشؤم ، ويصف لنا الشاعر زهير بن أبى سلمى طرفًا من ذلك في معلقته المشهورة وهو يخاطب الساعين للسلام بين عبس وذبيان:
تداركتما عبسا وذبيان بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
فهو يقول للساعين للسلام: إنكما بتحملكما ديات الحرب من مالكما ، أنقذتما عبسا وذبيان بعدما يأسوا ، ودقوا بينهما عطر منشم ، ومنشم هو اسم لامرأة كانت تبيع العطر يضرب بها المثل في التشاؤم ، دليل على عظم اليأس الذى أصاب نفوس الناس من انتهاء هذه الحرب (51) .
هذه إطلالة سريعة ومختصرة على الحروب وأسبابها لدى العرب قبل الإسلام والآن نشرع في الكلام على تشريع الجهاد في الإسلام ثم نتبع ذلك بتحليل موثق لغزوات النبى صلى الله عليه وسلم.
الجهاد في شرعة الإسلام: