فهرس الكتاب

الصفحة 376 من 4557

ومما استدل به المعتزلة على نفي الرؤية، قوله تعالى: { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة } (النساء: 153) ، يقول الجاحظ المعتزلي في رسائله:"قد رأينا الله استعظم الرؤية استعظامًا شديدًا، وغضب على من طلب ذلك وأراده، ثم عذب عليه، وعجب عباده ممن سأله ذلك، وحذرهم أن يسلكوا سبيل الماضين، فقال في كتابه لنبيه صلى الله عليه وسلم: { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابًا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة } فإن كان الله تعالى - في الحقيقة - يجوز أن يكون مرئيًا، وببعض الحواس مدركًا، وكان ذلك عليه جائزًا، فالقوم إنما سألوا أمرًا ممكنًا، وقد طمعوا في مطمع، فلم غضب هذا الغضب، واستعظم سؤالهم هذا الاستعظام، وضرب به هذا المثل، وجعله غاية في الجرأة وفي الاستخفاف بالربوبية".

والجواب على ذلك أن الله غضب عليهم هذا الغضب، واستعظم سؤالهم هذا الاستعظام لكونه وقع على سبيل التعنت، والربط بين إجابة سؤالهم والإيمان به سبحانه، كما في الآية الأخرى: { وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون } ( البقرة:55) فالله غضب عليهم لا لأن رؤيته غير جائزة، بل لأنهم ربطوا بين إيمانهم به سبحانه وبين رؤيته، وهذا منتهى التعنت والاستهتار .

ومما استدل به منكرو الرؤية قوله تعالى: { وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا } (الفرقان:21) قالوا: ألا ترى أن الله قد عدَّ قول الكفار"أو نرى ربنا"من أسباب الكفر والعتو، أليس في ذلك أعظم الأدلة على امتناع رؤيته سبحانه واستحالتها.

والجواب على ذلك كالجواب على سابقه، بدليل قولهم: { لولا أنزل علينا الملائكة } ، فهل يقول قائل: إن نزول الملائكة على البشر ممتنع ومستحيل بهذه الآية ؟!! كلا لا يقول بذلك أحد، حتى الذين ينفون الرؤية، لأن نزول الملائكة على بعض البشر ثابت بأدلة الشرع ولا يمنعه العقل، وإنما عدّ الله ذلك من أسباب الكفر والعتو لإعراضهم عن الحق رغم وضوحه، وتوقفهم عن الاستجابة له حتى يحصل لهم ما طلبوا من تلك الآيات .

والآية السابقة إنما وردت في سياق ذكر تعنت المشركين وفرضهم شروطا مسبقة على إيمانهم، وليس لأن المشركين طلبوا رؤية الله بدافع الشوق والرغبة، يقول الإمام الطبري في تفسير الآية:"يقول تعالى ذكره: وقال المشركون الذين لا يخافون لقاءنا، ولا يخشون عقابنا: هلا أنزل الله علينا ملائكة، فتخبرنا أن محمدا محق فيما يقول، وأن ما جاءنا به صدق، أو نرى ربنا فيخبرنا بذلك، كما قال جل ثناؤه مخبرا عنهم { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } (الإسراء:90) ثم قال بعد { أو تأتي بالله والملائكة قبيلا } (الإسراء: 92) يقول الله: لقد استكبر قائلوا هذه المقالة في أنفسهم، وتعظموا، { وعتوا عتوا كبيرا } يقول: وتجاوزوا في الاستكبار بقيلهم ذلك حدَّه".

ومما استدل به المعتزلة على إنكار الرؤية قوله تعالى لموسى وقد سأله رؤيته سبحانه: { لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخرّ موسى صعقا } (الأعراف: 143) . قالوا: وهذا النفي عام في الدنيا والآخرة فلو حصل في زمن ما لكان منافيا لمقتضى الآية، وقالوا: إن حرف النفي"لن"عند علماء اللغة يفيد النفي المؤبد، أي لن يكون هذا أبدا.

وأولوا طلب موسى رؤية ربه بأنه كان بدافع إقامة الحجة على قومه الذين ألحوا عليه أن يروا الله جهرة .

والرد على استدلالهم هذا من وجوه:

الوجه الأول: أن سؤال موسى ربه أن يراه دليل على جواز رؤيته سبحانه، إذ موسى أعلم بالله من أن يسأله مستحيلا في حقه، ودعوى أنه إنما سأله ليقيم الحجة على قومه عارية عن الدليل بل هي محض تخرص، فموسى إنما سأل ربه منفردا ودون سابق طلب من قومه كما تدل عليه الآيات في قوله تعالى: { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين. ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخرَّ موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين } ( الأعراف:142-143) . فواضح أنه لا دلالة في منطوق النص ولا في مفهومه على أن طلب موسى الرؤية كان لإقناع بني إسرائيل باستحالتها، كيف وقد طلب الرؤية حال اعتكافه وخلوته، ثم لماذا يطلب التوبة من سؤاله الرؤية إذا كان إنما سألها لإقامة الحجة على بني إسرائيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت