فهرس الكتاب

الصفحة 375 من 4557

اعترض المعتزلة على ما أورده أهل السنة من أدلة الكتاب باعتراضات، من ذلك قولهم: أن المراد بالنظر في قوله تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } هو انتظار الثواب لا النظر بالأبصار.

وأجاب أهل السنة عن ذلك بأن تفسير النظر في الآية بمعنى الانتظار خطأ بيّن، لأن النظر إذا عُدِّي بإلى كان ظاهرا في نظر الأبصار، يقول العلامة اللغوي أبو منصور الأزهري في كتابه تهذيب اللغة ( 14/371 ) :"ومن قال: إن معنى قوله: { إلى ربها ناظرة } : بمعنى منتظرة فقد أخطأ، لأن العرب لا تقول: نظرت إلى الشيء بمعنى انتظرته، وإنما تقول: نظرت فلانًا، أي: انتظرته، ومنه قول الحطيئة:"

وقد نظرتكم أبناء صادرة للورد طال بها حوزي [ الحوز: السير الشديد ]

فإذا قلت: نظرت إليه لم يكن إلا بالعين، وإذا قلت: نظرت في الأمر احتمل أن يكون تفكرًا وتدبرًا بالقلب"ا.هـ."

ومما يدل على أن النظر هنا ليس بمعنى الانتظار أن الآية سيقت مساق الامتنان بذكر نعيم أهل الجنان، ولو فُسِّر النظرُ بالانتظار لما عدّ ذلك من النعيم، فإن الانتظار تنغيص وكدر -كما لا يخفى - إضافة إلى أن أهل الجنة لا ينتظرون شيئا فمهما تمنوا شيئا أتوا به .

واعترض نفاة الرؤية على الاستدلال بقوله تعالى: { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } بأنه ليس في الآية تصريح بالرؤية، والزيادة يمكن تفسيرها بأوجه مختلفة كمن فسرها بمضاعفة الحسنات، أو المغفرة والرضوان، وعليه فلا يصح حملها على الرؤية، وإلا أصبح ذلك تكلفا وقولا على الله بغير علم.

والجواب على ذلك من وجهين:

الوجه الأول: أن ما ذُكِرَ من أوجه التفسير لا ينافي تفسيرها بالرؤية، فالزيادة هنا مبهمة، وهي شاملة لكل ما يتفضل الله به على عباده بعد مجازاتهم بجنته، يقول الإمام الطبري - بعد أن ذكر أقوال المفسرين في الزيادة كمن فسّرها بتضعيف الحسنات، أو المغفرة والرضوان، ومن فسرها بالرؤية -:"وغير مستنكر من فضل الله أن يجمع ذلك لهم، بل ذلك كله مجموع لهم إن شاء الله . فأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يعمَّ".

الوجه الثاني: أن تفسير من فسّر الزيادة بالرؤية لم يأت اعتباطا، وإنما جاء بناء على التفسير النبوي لها، فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما ذكر رؤية المؤمنين لربهم تلا هذه الآية: { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ، ولو لم يكن كلامه صلى الله عليه وسلم تفسيرا للآية التي قرأها، لما كان في قراءتها فائدة، ولكان ذكرها في الحديث لغوا وحشوا، وحاشاه صلى الله عليه وسلم من ذلك .

أما اعتراضهم على أحاديث السنة فيتلخص في ردهم الاستدلال بها بدعوى أنها أحاديث آحاد، لا يقبل الاستدلال بها في مسائل الاعتقاد، وهي دعوى مردودة بلا شك، وتدل على جهل قائلها بعلم الحديث وطرقه ورجاله، ذلك أن أهل العلم بالحديث قد نصوا صراحة على تواتر أحاديث الرؤية، وقد سبق ذكر من نص على ذلك، ويقول العلامة ابن الوزير اليماني - كما في الروض الباسم - ردا على من زعم أن أحاديث الرؤية أحاديث آحاد، وأنها من رواية جرير بن عبدالله البجلي فحسب:"وهذا من الإغراب الكثير والجهل العظيم, فإنّ المحدّثين يروون في الرّؤية أحاديث كثيرة تزيد على ثمانين حديثًا عن خلق كثير من الصّحابة أكثر من ثلاثين صحابيًّا .. وروى حديث الرؤية علماء الحديث كلّهم في جميع دواوين الإسلام من طرق كثيرة"ا.هـ ، ولو سلمنا جدلا بكون أحاديث الرؤية أحاديث آحاد فلا يجوز ترك الاستدلال بها إذا صح سندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد بينا صحة الاستدلال بأحاديث الآحاد على مسائل الاعتقاد في مقال بعنوان"أحاديث الآحاد حجة في العقائد والأحكام"

استدلالات المعتزلة على نفي رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة

استدل المعتزلة على نفي الرؤية بآيات منها قوله تعالى: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير } (الأنعام: 103) قالوا: ومتعلق الإدراك المنفي إدراك البصر فكان ذلك ظاهرا في نفي الرؤية .

وأجاب العلماء عن ذلك بأن المنفي هو الإحاطة لا مطلق البصر، بمعنى أن رؤية المؤمنين ربهم لا تعني أنهم يحيطون به سبحانه، ولا أنهم يدركون برؤيتهم له حقيقة ذاته، وممن ذهب إلى هذا التفسير ابن عباس رضي الله عنهما حين عارضه سائل بقوله تعالى: { لا تدركه الأبصار } (الأنعام: 103) فقال له: ألست ترى السماء ؟ فقال: بلى، قال: أتراها كلها ؟ قال: لا . فبين له أن نفى الإدراك لا يقتضى نفى الرؤية.

وعن قتادة في قوله تعالى: { لا تدركه الأبصار } قال:"هو أجل من ذلك وأعظم أن تدركه الأبصار"وعن عطية العوفي في تفسير الآية قال:"هم ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره يحيط بهم".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"فإذًا المعنى أنه يُرى ولا يُدرك ولا يُحاط به، فقوله: { لا تدركه الأبصار } ، يدل على غاية عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لعظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت