وحين يستعيد المؤمنون أحداث التاريخ العظيم لدعوة الله ودعاتها الأبرار تجيش النفس بالذكريات وهي ترى موكب الأنبياء يحمل راية التوحيد، ويمضي في الطريق إلى الله، يحمل هموم هذه الرسالة التي خلق الله العالم من أجلها فقال: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56) .. حين نصاحب موكب الأنبياء يزداد الأمل ويقوى الرجاء، رغم الواقع المر، والتآمر والكيد لأمة العرب والمسلمين، يقوى الأمل خاصة عند الغيورين والحريصين على مستقبل هذه الأمة، ولذلك يجب أن نتابع المسيرة وأن نعيش أحداثها، وأن نأخذ منها العبرة والعظة والدروس لواقعنا الذي نعيش فيه فنوقن بالحقائق التي تعطي الأمل بلا حساب، وتفتح أبوابه أمام المستقبل الزاهر لهذه الأمة: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69) .. ولقد كان المقوم الأول لدعوة الأنبياء والرسل هو التوحيد، فهو الحقيقة الأساسية في العقيدة الإسلامية، وفي كل دين سماوي جاء من عند الله .. قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الانبياء:25) .. وقال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (لأعراف:59) .. ويقول: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ) (لأعراف:65) .. ويقول: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) (لأعراف: من الآية73) .. وهكذا جميع الأنبياء والرسل دعوة واحدة إلى عبودية الله وحده.
وأن من أبعاد دعوة التوحيد، وضع الأساس للخلاص من جميع العبوديات بشتى صورها، عبودية إنسان لإنسان آخر، وعبودية شعب لشعب آخر، وعبودية الشهوات والملذات، وعبودية المطامع والأهواء، وعبودية حب الدنيا، وكراهية الموت، وعبودية الخوف على المال والنفس والولد، فالتسليم لله وحده يحفظ المسلم من كل هذه الأمراض، ويحرره من كل المعوقات، ويدفعه إلى الأمام مجاهدا عاملا غيورا على مقدسات الأمة وعزتها وكرامتها وحافظا لرسالتها في الحياة مضحيا بكل ما يملك في سبيل سيادتها، وحين نعود إلى القرآن الكريم دستور المسلمين الخالد نجده يعرض هذا الموكب في مساحات ضخمة ويشير إلى تاريخ الرسالات السماوية، وما لقيه أنبياء الله ورسله عليهم أفضل الصلاة والسلام من عنت وأذى واستهزاء، ونجد الصراع المتواصل بين الحق والباطل، وبين التوحيد والشرك، وبين الإيمان والكفر، ونجد العاقبة دائما للمؤمنين المتقين، والهلاك للمستكبرين الظالمين الباغين، يقول الحق سبحانه: (وكان حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الروم: من الآية47) ويقول: (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ) (الانبياء:11) .. ويقول سبحانه: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ، فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) (لأعراف:4-5) .. ويقول سبحانه: (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) (يونس:103) .
ونجده يحدد العوامل التي ترفع من شأن الأمم، وتقوي بنيانها، وتنهض بها حين تأخذ طريق التوحيد، وتسلم وجهها لله، وتقيم حكمه في الأرض، وكيف كانت تنهار وتفسد حين تقصر في هذه الأسباب ويسودها الظلم ويفسق المترفون فيها، وتنقسم على نفسها، ويقع بأسها بينها، وحتى لا نقع نحن فيما وقعوا فيه، ونعتبر، يحذرنا القرآن، من العاقبة التي وقع فيها هؤلاء، حتى لا ينزل بنا ما نزل بهم، فيقول الحق سبحانه لنا: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (لأنفال:53) .. ويقول: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) (الرعد:11) .. ويقول لنا: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) (الحشر: من الآية2) .