أما المنادون بمنع التعدد وتحريمه فقد زعموا أن القرآن يحرم التعدد فقد قال تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ، ذلك أدنى ألا تعولوا) ، وقال في آية أخرى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ، فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) الآية.
تفسيرهم للآيتين:
ويقولون في تفسير هاتين الآيتين: إن الله قد أباح في الآية الأولى التعدد ولكنه اشترط لإباحته العدل بين الزوجات ، ثم ذكر في الآية الثانية أن هذا العدل متعذر ومستحيل ، فتكون النتيجة بحسب مقدماتهم هذه أن التعدد حرام.
خطأ هذا التفسير:
وواضح أن هذا عبث بآيات الله وتحريف لها عن مواضعها ، فما كان الله ليرشد إلى تزوج العدد من النساء عند الخوف من ظلم اليتامى ويضع العدل بين الزوجات شرطًا في التعدد من النساء بأسلوب يدل على استطاعته والقدرة عليه ثم يعود وينفي استطاعته والقدرة عليه.
التفسير الصحيح للآيتين:
فتخريج الآيتين الذي يتفق مع جلال التنزيل وحكمة التشريع ويرشد إليه سياقهما وسبب نزول الثانية منهما أنه لما قال في الآية الأولى: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) ، فُهم منه أن العدل بين الزوجات واجب ، وتبادر إلى النفوس أن العدل بإطلاقه ينصرف إلى معناه الكامل (المساواة في كل شيء) فتحرج لذلك المؤمنون ، لأن العدل بهذا المعنى الذي يتبادر إلى الأذهان غير مستطاع ، لأن فيه ما لا يدخل تحت الاختيار ، فجاءت الآية الثانية ، ترشد إلى العدل المطلوب في الآية الأولى (فإن خفتم ألا تعدلوا) وهو العدل في الأمور المادية ، كالقسم والنفقة ونحوهما ، أما الميل القلبي الذي أشارت الآية الثانية إلى عدم استطاعته ، فلا مؤاخذة فيه ، على أن لا يشتط: (فلا تميلوا كل الميل) .
وبهذا يتضح جليًا أن الآية الثانية تتعاون مع الآية الأولى ، على تقرير مبدأ التعدد بما يزيل التحرج منه ، إذ تنطويان للشروط اللازمة لجواز التعدد وتيسير على الناس في هذه الرخصة.
المطالبون بوضع القيود
وأما الذين يطالبون بوضع قيود لتعدد الزوجات غير القيود الشرعية ، التي ذكرها القرآن وهي أن لا يزيد عن أربع ، وأن يعدل بين زوجاته ، فقد اقترحوا إضافة شروط منها:
1-أن لا يباح تعدد الزوجات إلا إذا كان له مبرر.
2-وأن يخضع تقدير هذا المبرر لإشراف القضاء ، فلا يؤذن بالتعدد إلا إذا كان المبرر داعيًا إلى التعدد حقًا.
3-وأن يتحقق القاضي من استطاعته على العدل.
4-وأن يتثبت القاضي من قدرته على الإنفاق على زوجاته وذريته.
مبرراتهم في تلك القيود:
وهؤلاء يقولون: إن من يرغب في الزواج على امرأته يجب أن يكون مستعدًا لإقامة الدليل أمام القضاء ، على أن زواجه الجديد له مبرر مشروع يتفق مع مقاصد الشريعة ، وتقدير هذا المبرر من سلطة القاضي ، بحيث إذا اقتنع القاضي بما أبداه الرجل من أسباب أذن له في تعدد الزوجات ، وإذا لم يقتنع رفض الإذن له بالزواج الجديد ، وأصبح هذا الزواج محرمًا قانونًا ، وادعوا بأن القرآن يشترط مع العدالة وجود الضرورة الداعية للتعدد ، وزعموا أن قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ...) الآية ، قد أباح التعدد في حالة ضرورة الخوف من عدم الإقساط لليتيمة ، ومجانبة العدل في إدارة أموالها ، وجعل هذه الضرورة شرطًا لجواز التعدد ، فالجواب في الآية وهو قوله: (فانكحوا) مترتب على الشرط ومقيد به ، والشرط هو قوله: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى) ، فالآية إذًا تنص على أن التعدد لا يجوز إلا لهذه الضرورة ، غير أنه من الممكن أن تقاس عليها الضرورات التي تشبهها ... وبذلك ينتهي صاحب هذا الرأي إلى أن الإسلام لا يبيح التعدد إلا بشرطين وهما: العدل والضرورة ، سواء في ذلك الضرورة التي صرحت بها الآية أو ضرورة أخرى تشبهها وتقاس عليها.
التفسير العجيب للآية: