فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 4557

ليست الصدفة إذن ولا محض الاتفاق هما اللذان دفعا النبى صلى الله عليه وسلم لقتال أبناء أجداده من مضر دون ربيعة أو غيرها من العرب ، بل الطبيعة العربية المتوثبة دائمًا ، لمن ينازعها الشرف والسيادة من أبناء الأب الواحد ـ على ما بيناه آنفًا ـ كانت هى السبب الرئيسى لاشتعال هذه الحروب ولولاها لما اضطر صلى الله عليه وسلم للقتال بعد ثلاثة عشر عامًا من الدعوة والصبر تخللها من المشاق والعنت ما الله به عليم ، ومع ذلك فقد كان هجيراه ـ بأبى هو وأمى ـ"اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون".

وثمة أمر آخر ينبغى الإشارة إليه ، يتعلق بالآثار الناجمة عن هذا القتال ، من حيث أعداد القتلى التى نجمت عن هذه الغزوات والجدول الآتى يعطينا صورة بيانية عن هذه الآثار كالآتى:

الغزوة / شهداء المسلمين / قتلى المشركين / الملاحظة بدر / 14 / 70 / أُحد / 70 / 22 / الخندق / 6 / 3 / بنو المصطلق / ـ / 3 / خيبر / 19 / لم يدخل اليهود في هذه الإحصائية لأن لهم حكم آخر بسبب خيانتهم ، فهم قُتلوا بناء على حكم قضائى ، بسبب الحرب.

بئر مونة 69 / ـ / مؤتة / 14 / 14 / حنين / 4 / 71 / الطائف / 13 / ـ / معارك أخرى / 118 / 256 / المجموع / 317 / 439 / 756 من الجانبين.

وبعد فقد بدا للناظرين واضحًا وجليًا أن الإسلام متمثلًا في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد ما يكون عن حمل الناس على اعتناق الإسلام بالسيف ، وهو الذى قال صلى الله عليه وسلم لأعدائه بعدما قدر عليهم:"اذهبوا فأنتم الطلقاء"هكذا دون شرط أو قيد ، أقول حتى دون اشتراط الإسلام.

والنتائج الحقيقية:

(1) تحويل العرب الوحوش إلى عرب متحضرين ، والعرب الملحدين الوثنيين إلى عرب مسلمين موحدين.

(2) القضاء على أحداث السلب والنهب وتعزيز الأمن العام في بلاد تفوق مساحتها مساحة فرنسا بضعفين.

(3) إحلال الأخوة والروحانية محل العداوة والبغضاء.

(4) إثبات الشورى مكان الاستبداد (86) .

هذا وقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ضوابط وقيود كان من شأنها أن تحدد وظيفة الجهاد في نشر الإسلام في ربوع المعمورة ، دون سفك للدماء ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا.

ومن هذه الضوابط قوله تعالى: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ) (87) .

فإن كان بين المسلمين والكفار عهد أو أمان فلا يجوز للمسلمين الغدر حتى ينقضى الأمد ، فإن خاف المسلمون من أعدائهم خيانة بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يدل على خيانتهم من غير تصريح منهم ، فحينئذ يخبرهم المسلمون أنه لا عهد بيننا وبينكم حتى يستوى علم المسلمين وعلم أعدائهم بذلك.

ودلت الآية على أنه إذا وجدت الخيانة المحققة من الأعداء لم يحتج أن ينبذ إليهم عهدهم ، لأنه لم يخف منهم بل علم ذلك.

ودل مفهوم الآية أيضًا على أنه إذا لم يخف منهم خيانة بأن يوجد منهم ما يدل على عدم الخيانة ، أنه لا يجوز نبذ العهد إليهم ، بل يجب الوفاء إلى أن تتم مدته (88) .

انتشار الإسلام أ ـ معدلات انتشار الإسلام:

الذى يؤكد على الحقيقة التى توصلنا إليها ـ وهى أن انتشار الإسلام كان بالدعوة لا بالسيف ـ أن انتشار الإسلام في الجزيرة العربية وخارجها ، كان وفق معدلات متناسبة تمامًا من الناحيتين الكمية والكيفية ، مع التطور الطبيعى لحركة الدعوة الإسلامية ، ولا يوجد في هذه المعدلات نسب غير طبيعية أو طفرات تدل على عكس هذه الحقيقة ، والجدول الآتى يوضح هذه النسب:

السنوات بالهجرى / فارس / العراق / سورية / مصر / الأندلس نسبة المسلمين مع نهاية أول مائة عام / 5%/ 3%/ 2%/ 2%/أقل من 1% السنوات التى صارت النسبة فيها 25% من السكان/ 185/ 225/ 275/ 275/ 295 السنوات التى صارت النسبة فيها 50% من السكان/ 235/ 280/ 330/ 330/ 355 السنوات التى صارت النسبة فيها 75% من السكان/ 280/ 320/ 385/ 385/ 400 * حسبت السنوات منذ عام 13 قبل الهجرة عندما بدأ تنزيل القرآن الكريم.

وتوضح معلومات أخرى أن شعب شبه الجزيرة العربية كان الشعب الأول في الدخول في الإسلام ، وقد أصبح معظمهم مسلمين في العقود الأولى بعد تنزيل القرآن الكريم.

وهكذا كان عدد العرب المسلمين يفوق عدد المسلمين من غير العرب في البداية ، ومهدوا الطريق للتثاقف الإسلامى والتعريب من أجل المسلمين غير العرب ، ولم يمض وقت على هؤلاء في أصولهم من أديان ومذاهب متعددة من كل الأمم والحضارات السابقة.

كان على هؤلاء جميعًا أن يوظفوا بشكل موحد عمليات توأمية للتقليد والابتكار في وقت واحد وذلك حسب خلفياتهم الأصلية تحت التأثير الثورى والمتحول الأكثر عمقًا للفكر الإسلامى ومؤسساته ، وقاموا عن طريق عملية التنسيق المزدوجة بتنقية تراثهم من علوم وتكنولوجيا وفلسفات عصر ما قبل القرآن الكريم وذلك إما بالقبول الجزئى أو الرفض الجزئى ، وقاموا كذلك بالابتكار من خلال انطلاقهم من أنظمتهم الفكرية الحسية وتراثهم في ضوء القرآن الكريم والسنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت