فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 4557

كان من أشهر الأمثلة العربية المثل المشهور"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"وقد كان العرب يطبقون هذا المثل تطبيقًا حرفيًا ـ دون هذا التعديل الذى أضافه الإسلام عليه ـ فكانوا ينصرون إخوانهم وبنى أعمامهم نصرًا حقيقيًا على كل حال في صوابهم وخطئهم وعدلهم وظلمهم ، وإذا دخلت قبيلتان منهم في حلف كان لكل فرد من أفراد القبيلتين النصرة على أفراد القبيلة الأخرى ، وهذا الحلف قد يعقده الأفراد وقد يعقده رؤساء القبائل والأمر واحد في الحالين.

بينما هم كذلك في بنى أبيهم وفى حلفائهم ، إذ بك تراهم حينما تتشعب البطون قد نافس بعضهم بعضًا في الشرف والثروة ، فنجد القبائل التى يجمعها أب واحد كل واحدة قد وقفت لأختها بالمرصاد تنتهز الفرصة للغض منها والاستيلاء على موارد رزقها ، وترى العداء قد بلغ منها الدرجة التى لا تطاق ، كما كان بين بطنى الأوس والخزرج ، وبين عبس وذبيان ، وبين بكر وتغلب ابنى وائل ، وبين عبد شمس وهاشم ، 000 إلخ ، فكانت روح الاجتماع سائدة بين القبيلة الواحدة ، تزيدها العصبية حياة ونموًا ، وكانت مفقودة تمامًا بين القبائل المختلفة ؛ فكانت قواهم متفانية في قتالهم وحروبهم ونزاعاتهم.

وقد علل الشيخ محمد الخضرى بك هذه الحقيقة العجيبة بأمرين:

الأمر الأول:

التنافس في مادة الحياة بين بنى الأب الواحد ، إذ أن حياتهم كانت قائمة على المراعى التى يسيمون فيها أنعامهم ، والمناهل التى منها يشربون.

الأمر الثانى:

تنازع الشرف والرياسة ، وأكثر ما يكون ذلك إذا مات أكبر الإخوة وله ولد صالح لأن يكون موضع أبيه ، فينازع أعمامه رياسة العشيرة ولا يسلم أحد منهما للآخر ، وقد يفارق رئيس أحد البيتين الديار مضمرًا في نفسه ما فيها من العداوة والبغضاء ، وقد يبقيا متجاورين ، وفى هذه الحالة يكون التنافر أشد كما كان الحال بين الأوس والخزرج من المدينة ، وبين هاشم وأمية من مكة ، وبين عبس وذبيان من قيس ، وبين بكر وتغلب من ربيعة. ومتى وجد النفور بين جماعتين أو بين شخصين لا يحتاج شبوب نار الحرب بينهما إلى أسباب قوية ، بل إن أيسر النزاع كاف لنشوب نار الحرب وتيتم الأطفال وتأيم النساء ؛ لذلك كانت الجزيرة العربية دائمة الحروب والمنازعات (84) .

هذه الحقيقة التى توصلنا إليها ـ وهى أن نار الحرب سريعة النشوب بين أبناء الأب أو الجد الواحد ـ تدعم ما توصلنا إليه من أن الحرب إنما كانت نتيجة غضب إخوته من أجداده ، وإذا كان الخلاف محصورًا في السببين السابقين ، فأى سبب هو الذى أجج نار الغيرة والحقد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ هل السبب هو التنافس في مادة الحياة الدنيا ، أم الخوف من انتزاع الشرف والسيادة التى تؤول إلى النبى صلى الله عليه وسلم إذ هم أذعنوا له بالرسالة والنبوة ؟ أما عن السبب الأول فليس واردًا على الإطلاق ، فلقد ضرب كفار مكة حصارًا تجويعيًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى بنى هاشم وبنى عبد المطلب ، فانحازوا إلى شعب أبى طالب ثلاث سنوات كاملة ، عاشوا فيها الجوع والحرمان ما لا يخطر ببال ، حتى إنهم من شدة الجوع قد أكلوا ورق الشجر وكان يسمع من بعيد بكاء أطفالهم وأنين شيوخهم ، ومع ذلك فقد التزم النبى صلى الله عليه وسلم الصبر والثبات ، ولم يأمر أصحابه أن يشنوا حربًا أو قتالًا لفك هذا الحصار ، والخبير يعلم ما الذى يمكن أن يفعله الجوع بالنفس البشرية ، إن لم يصحبها نور من وحى أو ثبات من إيمان.

كان السبب الثانى إذن كفيلًا بإشعال هذه النار في قلوب هؤلاء وعلى حد تعبير الأستاذ العلامة محمد فريد وجدى:"كان مقصودًا بالقتل من قريش ، وليس يعقل أن تغمض قريش عينها ، ومصلحتها الحيوية قائمة على زعامة الدين في البلاد العربية ، وعن قيام زعامة أخرى في البلاد كيثرب يصبح منافسًا لأم القرى ، وربما بزها سلطانًا على العقول ، وكر على قريش فأباد خضراءها وسلبها حقها الموروث" (85) ، والذى يؤيد هذا ويقويه ذلك الحوار الذى دار بين الأخنس بن شريق وبين أبى جهل ؛ إذ قال له الأخنس: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ ـ يعنى القرآن ـ فقال ما سمعت ؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تجاثينا على الركب ، وكنا كفرسى رهان قالوا منا نبى يأتيه الوحى من السماء ، فمتى ندرك هذا ؟! والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت