من هنا اشتد السؤال ، ووقع كثيرًا من أهل الإسلام عن هذه"النظرية"التي حلت بهم ، ونزلت بساحتهم ، ما الباعث لها ، وما الغالية التي ترمي إليها ، وما مدى مصداقية شعاراتها ، وعن حكم الإسلام فيها، وحكم الاستجابة لها من المسلمين ، وحكم من أجاب فيها ، وحكم من دعا إليها ، ومهد السبيل لتسليكها بين المسلمين ، ونشرها في ديارهم ، ونثر من أجلها وسائل التغريب ، وأسباب التهويد ، والتنصير في صفوف المسلمين .
حتى بلغت الحال ببعضهم إلى فكرة:"طبع القرآن الكريم ، والتوراة والإنجيل في غلاف واحد ؟"
وحتى بلغ الخلط والدمج مبلغه ببناء"مسجد ، وكنسية ، ومعبد"في محل واحد ، في:"رحاب الجامعات"و"المطارات"و"الساحات العامة"؟
فما جوابكم يا علماء الإسلام ؟؟
بين يدي الجواب:
لا شك أن الوضع قائم مشهور ، والسؤال وارد مطلوب ، والجواب واجب محتوم ، على كل من آتاه الله علمًا ، وبصيرة في دين الله ، وهذا من بعض حق الله على كل عبد مسلم ؛ لتبصير المسلمين في أمر دينهم ، وكشف الحقيقة عما يحل بهم ، حتى يصيروا على بصيرة من أمرهم ، وحراسة الشريعة برد كل مكيدة توجد إليهم ، وإلى دينهم:"دين الإسلام"وتطعن في الله ، وفي كتابه ، وفي رسوله ، وسنته ، وهو باب عظيم من أبواب مجاهدة الكافرين ودفع مكايدهم ، وشرورهم عن المسلمين ، وهي تكون بالحجة والبيان ، والسيف والسنان ، والقلب والجنان ، وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان . قال الله تعالى: { كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون } [ آل عمران / 79 ] .
وقد رأيت أن أكتب الجواب عن هذا السؤال ، مبينًا له بالحجة ، والبيان ، والدليل والبرهان ، مرتبًا له في مقامات ثلاثة:
المقام الأول: المسرد التاريخي لهذه النظرية ، وتشخيص وقائعها وخطواتها في الحاضر والعابر ؛ ليحصل تمام التصور لمحل السؤال .
المقام الثاني: في الجواب على سبيل الإجمال .
المقام الثالث: في الجواب على طريقة النشر والتفصيل ، بتشخيص الأصول العقدية الإسلامية التي ترفض هذه النظرية وتنابذها .
المقام الأول
المسرد التاريخي لهذه النظرية وتشخيص وقائعها
إنها نظرية اليهود والنصارى ، وهي حديثة بصنع شعاراتها ، والعمل من أجلها على كافة المستويات - كما سيأتي - لسَحب المسلمين من إسلامهم ، لكنها قديمة عند اليهود ، والنصارى ، في كوكبة تدابيرهم الكيدية ومواقفهم العدائية للإسلام ، والمسلمين .
وبتتبع مراحلها التاريخية ، وجدتها قد مرت في حقب زمانية أربع هي:
1-مرحلتها في عصر النبي صلى الله عليه وسلم:
قد بين الله - سبحانه - في محكم كتابه ، أن اليهود ، والنصارى في محاولة دائبة ؛ لإضلال المسلمين عن إسلاميهم ، وردهم إلى الكفر ، ودعوتهم المسلمين إلى اليهودية أو النصرانية فقال - تعالى -: { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شئ قدير } [البقرة / 109] .
وقال - تعالى -: { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } [ البقرة / 111 ، 112 ] .
وقال - تعالى -: { قالوا كونوا هودًا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين } [ البقرة / 135 ] .
وهكذا في عدد من آيات الله ، يتلوها المسلمون في كتاب الله ؛ ليحذروا الكافرين من اليهود ، والنصارى ، وغيرهم ، فخمدت حينًا من الدهر حتى انقراض القرون المفضلة .
2-مرحلة الدعوة إليها بعد انقراض القرون المفضلة:
ثم بدت محاولاتهم مرة أخرى تحت شعار صنعوه ، وموهوا به على الجهال ، وهو: أن الملل: اليهودية ، والنصرانية ، والإسلام . هي بمنزلة المذاهب الفقهية الأربعة عند المسلمين كل طريق منها يوصل إلى الله - تعالى - . (2)
وهكذا فيما يثيرونه من الشبه ، ومتشابه القول ، وبتر النصوص ، مما يوهمون به ، ويستدرجون به أقوامًا ، ويتصدون به آخرين ، من ذوي الألقاب الضخمة هنا وهناك ؟
ثم تلقاها عنهم دعاة:"وحدة الوجود"و"الاتحاد"و"الحلول"وغيرهم من المنتسبين إلى الإسلام من ملاحدة المتصوفة في مصر ، والشام ، وأرض فارس ، وأقاليم العجم ، ومن غلاة الرافضة وهي من مواريثهم عن التتر ، وغيرهم حتى بلغ الحال أن بعض هؤلاء الملاحدة يجيزون التهود ، والتنصر ، بل فيهم من يرجح دين اليهود والنصارى على دين الإسلام .. وهذا فاشٍ فيمن غلبت عليهم الفلسفة منهم ، ثم انتقلوا إلى أن أفضل الخلق عندهم هو:"المحقق"وهو: الداعي إلى الحلول ، والاتحاد . وقد كشفهم شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في مواضع من كتبه (3) .