قلنا: لأن الإحياء بعد تراخي المدة أبعد في العقول من الإحياء بعد قرب المدة ، وأيضًا فلأن بعد تراخي المدة ما يشاهد منه ، ويشاهد هو من غيره أعجب .
أما قوله تعالى: { ثُمَّ بَعَثَهُ } فالمعنى: ثم أحياه ، ويوم القيامة يسمى يوم البعث لأنهم يبعثون من قبورهم ، وأصله من بعثت الناقة إذا أقمتها من مكانها ، وإنما قال { ثُمَّ بَعَثَهُ } ولم يقل: ثم أحياه لأن قوله { ثُمَّ بَعَثَهُ } يدل على أنه عاد كما كان أولًا حيًا عاقلًا فهما مستعدا للنظر والاستدلال في المعارف الإلهية ، ولو قال: ثم أحياه لم تحصل هذه الفوائد .
أما قوله تعالى: { قَالَ كَمْ لَبِثْتَ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: فيه وجهان من القراءة ، قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإدغام والباقون بالإظهار ، فمن أدغم فلقرب المخرجين ومن أظهر فلتباين المخرجين وإن كانا قريبين .
المسألة الثانية: أجمعوا على أن قائل هذا القول هو الله تعالى وإنما عرف أن هذا الخطاب من الله تعالى ، لأن ذلك الخطاب كان مقرونًا بالمعجز ، ولأنه بعد الإحياء شاهد من أحوال حماره وظهور البلى في عظامه ما عرف به أن تلك الخوارق لم تصدر إلا من الله تعالى .
المسألة الثالثة: في الآية إشكال ، وهو أن الله تعالى كان عالمًا بأنه كان ميتًا وكان عالمًا بأن الميت لا يمكنه بعد أن صار حيًا أن يعلم أن مدة موته كانت طويلة أم قصيرة ، فمع ذلك لأي حكمة سأله عن مقدار تلك المدة .
والجواب عنه: أن المقصود من هذا السؤال التنبيه على حدوث ما حدث من الخوارق .
أما قوله تعالى: { لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } ففيه سؤالات:
السؤال الأول: لم ذكر هذا الترديد؟ .
الجواب: أن الميت طالت مدة موته أو قصرت فالحال واحدة بالنسبة إليه فأجاب بأقل ما يمكن أن يكون ميتًا لأنه اليقين ، وفي التفسير أن إماتته كانت في أول النهار ، فقال { يَوْمًا } ثم لما نظر إلى ضوء الشمس باقيًا على رؤوس الجدران فقال: { أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } .
السؤال الثاني: أنه لما كان اللبث مائة عام ، ثم قال: { لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } أليس هذا يكون كذبًا؟ .
والجواب: أنه قال ذلك على حسب الظن ، ولا يكون مؤاخذًا بهذا الكذب ، ونظيره أنه تعالى حكى عن أصحاب الكهف أنهم قالوا { لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } [ الكهف: 19 ] على ما توهموه ووقع عندهم ، وأيضًا قال أخوة يوسف عليه السلام: { ياأبانا إِنَّ ابنك سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } [ يوسف: 81 ] وإنما قالوا: ذلك بناء على الأمارة من إخراج الصواع من رحله .
السؤال الثالث: هل علم أن ذلك اللبث كان بسبب الموت ، أو لم يعلم ذلك بل كان يعتقد أن ذلك اللبث بسبب الموت .
الجواب: الأظهر أنه علم أن ذلك اللبث كان بسبب الموت ، وذلك لأن الغرض الأصلي في إماتته ثم إحيائه بعد مائة عام أن يشاهد الإحياء بعد الإماتة وذلك لا يحصل إلا إذا عرف أن ذلك اللبث كان بسبب الموت ، وهو أيضًا قد شاهد إما في نفسه ، أو في حماره أحوالًا دالة على أن ذلك اللبث كان بسبب الموت .
أما قوله تعالى: { قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ } فالمعنى ظاهر ، وقيل: العام أصله من العوم الذي هو السباحة ، لأن فيه سبحًا طويلًا لا يمكن من التصرف فيه .
أما قوله تعالى: { فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: اختلف القراء في إثبات الهاء في الوصل من قوله { لَمْ يَتَسَنَّهْ } و { اقتده } و { مَالِيَهْ } و { سلطانيه } و { ماهيه } بعد أن اتفقوا على إثباتها في الوقف ، فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم هذه الحروف كلها بإثبات الهاء في الوصل ، وكان حمزة يحذفهن في الوصل وكان الكسائي يحذف الهاء في الوصل من قوله { وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ } و { اقتده } ويثبتها في الوصل في الباقي ولم يختلفوا في قوله { لَمْ أُوتَ كتابيه وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ } [ الحاقة: 25 ، 26 ] أنها بالهاء في الوصل والوقف .
إذا عرفت هذا فنقول: أما الحذف ففيه وجوه أحدهما: أن اشتقاق قوله { يَتَسَنَّهْ } من السنة وزعم كثير من الناس أن أصل السنة سنوة ، قالوا: والدليل عليه أنهم يقولون في الاشتقاق منها أسنت القوم إذا أصابتهم السنة ، وقال الشاعر: