الحجة الخامسة: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب نزول الآية قال: إن بختنصر غزا بني إسرائيل فسبى منهم الكثيرون ، ومنهم عزير وكان من علمائهم ، فجاء بهم إلى بابل ، فدخل عزير يومًا تلك القرية ونزل تحت شجرة وهو على حمار ، فربط حماره وطاف في القرية فلم ير فيها أحدًا فعجب من ذلك وقال: { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } لا على سبيل الشك في القدرة ، بل على سبيل الاستبعاد بحسب العادة ، وكانت الأشجار مثمرة ، فتناول من الفاكهة التين والعنب ، وشرب من عصير العنب ونام ، فأماته الله تعالى في منامه مائة عام وهو شاب ، ثم أعمى عن موته أيضًا الإنس والسباع والطير ، ثم أحياه الله تعالى بعد المائة ونودي من السماء: يا عزير { كَمْ لَبِثْتَ } بعد الموت فقال { يَوْمًا } فأبصر من الشمس بقية فقال { أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } فقال الله تعالى: { بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فانظر إلى طَعَامِكَ } من التين والعنب وشرابك من العصير لم يتغير طعمهما ، فنظر فإذا التين والعنب كما شاهدهما ثم قال: { وانظر إلى حِمَارِكَ } فنظر فإذا هو عظام بيض تلوح وقد تفرقت أوصاله وسمع صوتًا أيتها العظام البالية إني جاعل فيك روحًا فانضم أجزاء العظام بعضها إلى بعض ، ثم التصق كل عضو بما يليق به الضلع إلى الضلع والذراع إلى مكانه ثم جاء الرأس إلى مكانه ثم العصب والعروق ثم أنبت طراء اللحم عليه ، ثم انبسط الجلد عليه ، ثم خرجت الشعور عن الجلد ، ثم نفخ فيه الروح ، فإذا هو قائم ينهق فخر عزير ساجدًا ، وقال: { أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ثم إنه دخل بيت المقدس فقال القوم: حدثنا آباؤنا أن عزير بن شرخياء مات ببابل ، وقد كان بختنصر قتل ببيت المقدس أربعين ألفًا ممن قرأ التوراة وكان فيهم عزير ، والقوم ما عرفوا أنه يقرأ التوراة ، فلما أتاهم بعد مائة عام جدد لهم التوراة وأملاها عليهم عن ظهر قلبه لم يخرم منها حرفًا ، وكانت التوراة قد دفنت في موضع فأخرجت وعورض بما أملاه فما اختلفا في حرف ، فعند ذلك قالوا: عزير بن الله ، وهذه الرواية مشهورة فيما بين الناس ، وذلك يدل على أن ذلك المار كان نبيًا .
المسألة الثالثة: اختلفوا في تلك القرية فقال وهب وقتادة وعكرمة والربيع: إيلياء وهي بيت المقدس ، وقال ابن زيد: هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت .
أما قوله تعالى: { وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } قال الأصمعي: خوى البيت فهو يخوى خواء ممدود إذا ما خلا من أهله ، والخوا: خلو البطن من الطعام ، وفي الحديث: « كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد خوى » أي خلى ما بين عضديه وجنبيه ، وبطنه وفخذيه ، وخوى الفرس ما بين قوائمه ، ثم يقال للبيت إذا انهدم: خوى لأنه بتهدمه يخلو من أهله ، وكذلك: خوت النجوم وأخوت إذا سقطت ولم تمطر لأنها خلت عن المطر ، والعرش سقف البيت ، والعروش الأبنية ، والسقوف من الخشب يقال: عرش الرجل يعرش ويعرش إذا بني وسقف بخشب ، فقوله: { وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } أي منهدمة ساقطة خراب ، قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، وفيه وجوه أحدها: أن حيطانها كانت قائمة وقد تهدمت سقوفها ، ثم انقعرت الحيطان من قواعدها فتساقطت على السقوف المنهدمة ، ومعنى الخاوية المنقلعة وهي المنقلعة من أصولها يدل عليه قوله تعالى: { أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } [ الحاقة: 7 ] وموضع آخر { أَعْجَازُ نَخْلٍ منقعر } [ القمر: 20 ] وهذه الصفة في خراب المنازل من أحسن ما يوصف به والثاني: قوله تعالى: { خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } أي خاوية عن عروشها ، جعل ( على ) بمعنى ( عَنْ ) كقوله { إِذَا اكتالوا عَلَى الناس } [ المطففين: 2 ] أي عنهم والثالث: أن المراد أن القرية خاوية مع كون أشجارها معروشة فكان التعجب من ذلك أكثر ، لأن الغالب من القرية الخالية الخاوية أن يبطل ما فيها من عروش الفاكهة ، فلما خربت القرية مع بقاء عروشها كان التعجب أكثر .
أما قوله تعالى: { قَالَ أنى يُحْىِ هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا } فقد ذكرنا أن من قال: المار كان كافرًا حمله على الشك في قدرة الله تعالى ، ومن قال كان نبيًا حمله على الاستبعاد بحسب مجاري العرف والعادة أو كان المقصود منه طلب زيادة الدلائل لأجل التأكيد ، كما قال إبراهيم عليه السلام: { أرني كيف تحيي الموتى } [ البقرة: 260 ] وقوله { أنّى } أي من أين كقوله { أنى لَكِ هذا } [ آل عمران: 37 ] والمراد بإحياء هذه القرية عمارتها ، أي متى يفعل الله تعالى ذلك ، على معنى أنه لا يفعله فأحب الله أن يريه في نفسه ، وفي إحياء القرية آية { فَأَمَاتَهُ الله مِاْئَةَ عَامٍ } وقد ذكرنا القصة .
فإن قيل: ما الفائدة في إماتة الله له مائة عام ، مع أن الاستدلال بالإحياء يوم أو بعد بعض يوم حاصل .