فهرس الكتاب

الصفحة 1997 من 4557

"فإن ظن ظان أن قول الله تعالى ذكره: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [سورة التوبة: 5] يدل على خلاف ما قلنا في ذلك، إذ كان ذلك ينبئ على أن الفرض على المؤمنين كان بعد انقضاء الأشهر الحرم قتل كل مشرك، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن، وذلك أن الآية التي تتلو ذلك تبين عن صحة ما قلنا، وفساد ما ظنه من ظن أن انسلاخ الأشهر الحرم كان يبيح قتل كل مشرك كان له عهد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لم يكن كان له منه عهد."

وذلك قوله: { كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله - إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم، إن الله يحب المتقين } [التوبة: 7] فهؤلاء مشركون؛ وقد أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين بالاستقامة لهم في عهدهم ما استقاموا لهم بترك نقض صلحهم، وترك مظاهرة عدوهم عليهم.

"وبعد، ففي الأخبار المتظاهرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أنه حين بعث عليًا رحمة الله عليه ببراءة إلى أهل العهود بينه وبينهم، أمره فيما أمره أن ينادي به فيهم:"ومن كان بينه وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد فعهده إلى مدته"، أوضح الدليل على صحة ما قلنا. وذلك أن الله لم يأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بنقض عهد قوم كان عاهدهم إلى أجل فاستقاموا على عهدهم بترك نقضه، وأنه إنما أجل أربعة أشهر من كان قد نقض قبل التأجيل، أو من كان له عهد إلى أجل غير محدود. فأما من كان أجله محدودًا، ولم يجعل بنقضه على نفسه سبيلًا، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بإتمام عهده إلى غايته مأمورًا. وبذلك بعث مناديه ينادي به في أهل الموسم من العرب".

وقال في تعقيب آخر على الروايات المتعددة في شأن العهود:

"فقد أنبأت هذه الأخبار ونظائرها عن صحة ما قلنا، وأن أجل الأشهر الأربعة إنما كان لمن وصفنا. فأما من كان عهده إلى مدة معلومة فلم يجعل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين لنقضه ومظاهرة أعدائهم سبيلًا، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد وفى له بعهده إلى مدته، عن أمر الله إياه بذلك. وعلى ذلك ظاهر التنزيل، وتظاهرت به الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".

وإذا نحن تركنا الروايات التي بها ضعف، فإننا نستيطع أن نقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث بأبي بكر - رضي الله عنه - أميرًا للحج في هذا العام لما كرهه من الحج والمشركون يطوفون بالبيت عراة.

الإمام سيد قطب ... ... ...

رد آخر:

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال الليث: يقال: سلخت الشهر إذا خرجت منه، وكشف أبو الهيثم عن هذا المعنى فقال: يقال: أهللنا هلال شهر كذا، أي دخلنا فيه ولبسناه، فنحن نزداد كل ليلة إلى مضي نصفه لباسًا منه، ثم نسلخه عن أنفسنا بعد تكامل النصف منه جزءًا فجزءًا، حتى نسلخه عن أنفسنا وأنشد:إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله كفى قائلًا سلخي الشهور وإهلالي

وأقول تمام البيان فيه أن الزمان محيط بالشيء وظرف له، كما أن المكان محيط به وظرف له ومكان الشيء عبارة عن السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر ومن الجسم المحوي فإذا انسلخ الشيء من جلده فقد انفصل من السطح الباطن من ذلك الجلد وذلك السطح، وهو مكانه في الحقيقة فكذلك إذا تم الشهر فقد انفصل عن إحاطة ذلك الشهر به، ودخل في شهر آخر، والسلخ اسم لانفصال الشيء عن مكانه المعين، فجعل أيضًا اسمًا لانفصاله عن زمانه المعين، لما بين المكان والزمان من المناسبة التامة الشديدة. وأما الأشهر الحرم فقد فسرناها في قوله:

{ فَسِيحُواْ فِى الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } [التوبة: 2]

وهي يوم النحر إلى العاشر من ربيع الآخر، والمراد من كونها حرمًا، أن الله حرم القتل والقتال فيها. ثم إنه تعالى عند انقضاء هذه الأشهر الحرم أذن في أربعة أشياء: أولها: قوله:

{ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [النساء: 89]

وذلك أمر بقتلهم على الإطلاق، في أي وقت، وأي مكان. وثانيها: قوله: { وَخُذُوهُمْ } أي بالأسر، والأخيذ الأسير. وثالثها: قوله: { وَاحْصُرُوهُمْ } معنى الحصر المنع من الخروج من محيط. قال ابن عباس: يريد إن تحصنوا فاحصروهم. وقال الفراء: حصرهم أن يمنعوا من البيت الحرام. ورابعها: قوله تعالى: { وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ } والمرصد الموضع الذي يرقب فيه العدو من قولهم: رصدت فلانًا أرصده إذا ترقبته، قال المفسرون: المعنى اقعدوا لهم على كل طريق يأخذون فيه إلى البيت أو إلى الصحراء أو إلى التجارة، قال الأخفش في الكلام محذوف والتقدير: اقعدوا لهم على كل مرصد.

ثم قال تعالى: { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة فخلووا سبيلهم } وفيه مسائل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت