وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ قال الْمُغِيرَةُ سَكَبْت الْوُضُوءَ على رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فلما انْتَهَيْت إلَى رِجْلَيْهِ أَهْوَيْت لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فقال دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ من لُبْسِهِمَا على طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ بِحَيْثُ لَا يُقِرُّ قَدَمَهُ في قَدَمِ الْخُفِّ قبل غَسْلِ الْأُخْرَى لِأَنَّ ما كان شَرْطًا لِشَيْءٍ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عليه بِكَمَالِهِ كَشُرُوطِ الصَّلَاةِ وَخَرَجَ بِكَامِلَةِ ما لو غَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ وما لو أَدْخَلَهُمَا ثُمَّ غَسَلَهُمَا فيه فَلَا يَكْفِي الْمَسْحُ عليه كما سَيَأْتِي وقد يُقَالُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فإن ما يَخْرُجُ بِهِ يَخْرُجُ بِمَا قَبْلَهُ كما نَبَّهَ عليه الرَّافِعِيُّ في كَلَامِ الْوَجِيزِ وَإِنْ قَرَّتْ قَدَمُهُ قَبْلَهُ أَيْ قبل غَسْلِ الْأُخْرَى وَنَزَعَهَا وَحْدَهَا وَلَوْ بَعْدَ لُبْسِهِمَا جميعا وَأَعَادَهَا إلَى الْخُفِّ أَجْزَأَهُ لِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ بِخِلَافِ ما إذَا لم يَنْزِعْهَا وَلَوْ غَسَلَهُمَا فيه أَيْ الْخُفِّ لم يَجُزْ وَإِنْ تَمَّ وُضُوءُهُ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ إلَّا إذَا غَسَلَهُمَا فيه قبل قَرَارِهِمَا فإنه يُجْزِئُ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْمَقَرِّ كما عَرَفَ فَإِنْ قُلْت هَلَّا اكْتَفَى بِاسْتِدَامَةِ اللُّبْسِ لِأَنَّهَا كَالِابْتِدَاءِ كما سَيَأْتِي في الْأَيْمَانِ قُلْنَا إنَّمَا تَكُونُ كَالِابْتِدَاءِ إذَا كان الِابْتِدَاءُ صَحِيحًا وَهُنَا ليس كَذَلِكَ وَأَيْضًا الْحُكْمُ هُنَا إنَّمَا هو مَنُوطٌ بِالِابْتِدَاءِ كما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم في خَبَرِ أبي بَكْرَةَ إذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ وفي خَبَرِ الْمُغِيرَةِ دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ حَيْثُ عَلَّقَ الْحُكْمَ بِإِدْخَالِهِمَا طَاهِرَتَيْنِ وَنَظِيرُهُ من الْأَيْمَان أَنْ يَحْلِفَ على أَنْ لَا يَدْخُلَ الدَّارَ وهو فيها فإنه لَا يَحْنَثُ بِاسْتِدَامَةِ الدُّخُولِ وَلَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ اللُّبْسِ مُتَطَهِّرًا وَقَبْلَ قَرَارِهِمَا في الْخُفِّ لم يَمْسَحْ عليه لِعَدَمِ إدْخَالِهِمَا طَاهِرَتَيْنِ وَلَوْ أَخْرَجَهُمَا بَعْدَ اللُّبْسِ من مَقَرِّهِمَا وَمَحِلُّ الْفَرْضِ مَسْتُورٌ وَالْخُفُّ مُعْتَدِلٌ لم يَضُرَّ وَفَارَقَتْ ما قَبْلَهَا بِالْعَمَلِ بِالْأَصْلِ فِيهِمَا وَبِأَنَّ الدَّوَامَ أَقْوَى من الِابْتِدَاءِ كَالْإِحْرَامِ وَالْعِدَّةِ يَمْنَعَانِ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ دُونَ دَوَامِهِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ من زِيَادَتِهِ مُعْتَدِلٌ ما لو جَاوَزَ طُولُ الْخُفِّ الْعَادَةَ وَبَلَغَتْ رِجْلُهُ حَدًّا لو كان الْخُفُّ مُعْتَادًا لَظَهَرَ شَيْءٌ منها فإنه يَبْطُلُ كما نَقَلَهُ في الْمَجْمُوعِ عن الْعِمْرَانِيِّ وَأَقَرَّهُ وَإِنْ أَحْدَثَ دَائِمُ الْحَدَثِ كَمُسْتَحَاضَةٍ وَسَلَسِ بَوْلٍ غَيْرِ حَدَثِهِ جَازَ له الْمَسْحُ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى اللُّبْسِ وَالِاتِّفَاق بِهِ كَغَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ الصَّلَاةَ بِطَهَارَتِهِ فَيَسْتَفِيدُ الْمَسْحَ أَيْضًا ثُمَّ إنْ أَحْدَثَ قبل أَنْ يُصَلِّيَ بِوُضُوءِ اللُّبْسِ فَرْضًا مَسَحَ لِفَرِيضَةٍ وَنَوَافِلَ وَإِنْ أَحْدَثَ وقد صلى بِوُضُوءِ اللُّبْسِ فَرْضًا لم يَمْسَحْ إلَّا لِلنَّفْلِ لِأَنَّ مَسْحَهُ مُرَتَّبٌ على طُهْرِهِ وهو لَا يُفِيدُ أَكْثَرَ من ذلك فَلَوْ أَرَادَ فَرِيضَةً أُخْرَى وَجَبَ نَزْعُ الْخُفِّ وَالطُّهْرِ الْكَامِلِ لِأَنَّهُ مُحْدِثٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى ما زَادَ على فَرِيضَةٍ وَنَوَافِلَ فَكَأَنَّهُ لَبِسَ على حَدَثٍ حَقِيقَةً فإن طُهْرَهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ على الْمَذْهَبِ وَخَرَجَ بِغَيْرِ حَدَثِهِ حَدَثُهُ فَلَا يَضُرُّ وَلَا يَحْتَاجُ معه إلَى اسْتِئْنَافِ طُهْرٍ إلَّا إذَا أَخَّرَ الدُّخُولَ في الصَّلَاةِ بَعْدَ الطُّهْرِ لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهَا وَحَدَثُهُ يَجْرِي فَيَأْتِي فيه ما تَقَرَّرَ في غَيْرِ حَدَثِهِ وَكَذَا لَابِسُهُ مُتَلَبِّسًا بِوُضُوءٍ وَتَيَمُّمٍ لِجِرَاحَةٍ أو نَحْوِهَا فإنه إنَّمَا يَمْسَحُ لِفَرِيضَةٍ وَنَوَافِلَ أو لِنَوَافِلَ على ما تَقَرَّرَ وَكَذَا لو لَبِسَهُ لِمَحْضِ التَّيَمُّمِ لِمَرَضٍ أو نَحْوِهِ لَا لِفَقْدِ مَاءٍ فَأَحْدَثَ ثُمَّ تَكَلَّفَ الْوُضُوءَ لِيَمْسَحَ فإنه إنَّمَا يَمْسَحُ لِذَلِكَ وَقَوْلُهُ من زِيَادَتِهِ ثُمَّ تَكَلَّفَ الْوُضُوءَ لِيَمْسَحَ جَوَابٌ لِمَا يُقَالُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْمَسْحُ في التَّيَمُّمِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّهُ إذَا تَيَمَّمَ لِعُذْرِهِ وَلَبِسَ الْخُفَّ وَأَحْدَثَ وَأَرَادَ الصَّلَاةَ فَإِنْ زَالَ الْعُذْرُ وَجَبَ نَزْعُ الْخُفِّ كَدَائِمِ الْحَدَثِ إذَا شُفِيَ وَإِنْ لم يَزُلْ فَلَا مَسْحَ لِأَنَّهُ يَمْحَضُ التَّيَمُّمَ كما كان يَمْحَضُهُ قبل اللُّبْسِ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ ذلك يُتَصَوَّرُ بِمَا إذَا لم يَزُلْ عُذْرُهُ لَكِنَّهُ تَكَلَّفَ الْغُسْلَ وَأَرَادَ الْمَسْحَ غير أَنَّهُ يَبْقَى النَّظَرُ في أَنَّ هذا الْفِعْلَ جَائِزٌ أو لَا ذَكَرَهُ في الْمُهِمَّاتِ أَمَّا لُبْسُهُ بِمَحْضِ التَّيَمُّمِ لِفَقْدِ الْمَاءِ فَلَا مَسْحَ فيه لِأَنَّهُ لِضَرُورَةٍ وقد زَالَ بِزَوَالِهَا فَإِنْ شُفِيَ دَائِمُ الْحَدَثِ أو الْمُتَيَمِّمُ لَا لِفَقْدِ الْمَاءِ فَلَا مَسْحَ لِبُطْلَانِ الطَّهَارَةِ الْمُرَتَّبِ هو عليها الشَّرْطُ الثَّانِي صَلَاحِيَّتُهُ أَيْ الْخُفِّ لِلْمَسْحِ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ بِأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا سَاتِرًا مَحَلَّ الْفَرْضِ وهو الْقَدَمُ بِكَعْبَيْهِ فَلَا يَكْفِي ما لَا يَسْتُرُهُ وَلَوْ من مَحَلِّ الْفَرْضِ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ وهو الْغُسْلُ وَقَوْلُهُ كُلٌّ مِنْهُمَا إيضَاحٌ وَالْمُرَادُ بِالسَّاتِرِ الْحَائِلُ لَا ما يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ فَيَكْفِي الشَّفَّافُ عَكْسُ سَاتِرِ الْعَوْرَةِ لِأَنَّ الْقَصْدَ هُنَا عَدَمُ نُفُوذِ الْمَاءِ وَثَمَّ مَنْعُ الرُّؤْيَةِ وَلَوْ مَشْقُوقًا وقال إنْ شُدَّ في أَزْرَارِهِ شَرَجُهُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ أَيْ عُرَاهُ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ شَيْءٌ من مَحَلِّ الْفَرْضِ لِحُصُولِ السِّتْرِ وَسُهُولَةِ