الْبَابُ الثَّانِي في أَحْكَامِهَا وَهِيَ ثَلَاثَةٌ
الْأَوَّلُ الضَّمَانُ لها وَلَوْ لِلْأَجْزَاءِ منها لِخَبَرِ أبي دَاوُد وَغَيْرِهِ الْعَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ وَلِأَنَّهُ مَالٌ يَجِبُ رَدُّهُ لِمَالِكِهِ فَيُضْمَنُ عِنْدَ تَلَفِهِ كَالْمَأْخُوذِ بِجِهَةِ السَّوْمِ وَلِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ من الْغَاصِبِ يَسْتَقِرُّ عليه الضَّمَانُ
وَلَوْ كانت الْعَارِيَّةُ أَمَانَةً لَمَّا اسْتَقَرَّ كَالْمُودَعِ من الْغَاصِبِ فَيَضْمَنُهَا إنْ تَلِفَتْ في يَدِهِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أو أَتْلَفَهَا هو أو غَيْرُهُ وَلَوْ بِلَا تَقْصِيرٍ أو قَرَحَ أَيْ جَرَحَ ظَهْرَهَا بِالِاسْتِعْمَالِ تَعَدِّيًا بِأَنْ حَصَلَ بِاسْتِعْمَالٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ فيه فَإِنْ تَلِفَتْ هِيَ أو أَجْزَاؤُهَا بِاسْتِعْمَالٍ مَأْذُونٍ فيه كَاللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ الْمُعْتَادِ كُلٌّ مِنْهُمَا لم يَضْمَنْ الْأَجْزَاءَ وَالْعَيْنَ لِحُصُولِ التَّلَفِ بِسَبَبٍ مَأْذُونٍ فيه فَأَشْبَهَ ما لو قال اُقْتُلْ عَبْدِي وقد يَعْرِضُ لِلْعَارِيَّةِ ما يَمْنَعُ ضَمَانَهَا كَأَنْ اسْتَعَارَ من مُسْتَأْجِرٍ وَنَحْوِهِ وَسَيَأْتِي أو اسْتَعَارَ شيئا لِيَرْهَنَهُ وَتَقَدَّمَ في الرَّهْنِ وَتُضْمَنُ الْعَارِيَّةُ بِقِيمَةِ يَوْمِ التَّلَفِ بِغَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ لَا بِقِيمَةِ يَوْمِ الْقَبْضِ وَلَا بِأَقْصَى الْقِيَمِ من يَوْمِ الْقَبْضِ إلَى يَوْمِ التَّلَفِ إذْ لو اُعْتُبِرَ أَحَدُهُمَا لَأَدَّى إلَى تَضْمِينِ الْأَجْزَاءِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فيه وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لُزُومُ قِيمَةِ الْعَيْنِ وَإِنْ كانت مِثْلِيَّةً كَخَشَبٍ وَحَجَرٍ وهو ما جَزَمَ بِهِ في الْأَنْوَارِ وَاقْتَضَاهُ بِنَاءُ الرُّويَانِيِّ وَالْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِمَا ضَمَانَ الْمِثْلِيِّ على الْخِلَافِ في الْمُتَقَوِّمِ حَيْثُ قالوا إنْ اعْتَبَرْنَا أَقْصَى الْقِيَمِ أَوْجَبْنَا الْمِثْلَ أو قِيمَةَ يَوْمِ التَّلَفِ وهو الْأَصَحُّ فَالْقِيمَةُ وَخَالَفَ ابن أبي عَصْرُونٍ فَضَمَّنَ الْمِثْلِيَّ بِالْمِثْلِ على الْقِيَاسِ وَجَرَى عليه السُّبْكِيُّ وهو الْأَوْجَهُ وَاقْتِصَارُهُمْ على الْقِيمَةِ جَرَى على الْغَالِبِ من أَنَّ الْعَارِيَّةَ مُتَقَوِّمَةٌ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بين الْمِثْلِيِّ وَالْمُتَقَوِّمِ غَيْرُ قَوِيمٍ وَكَذَا يُضْمَنُ الْمَقْبُوضُ بِالسَّوْمِ بِقِيمَةِ يَوْمِ تَلَفِهِ إنْ كان مُتَقَوِّمًا وَاشْتِرَاطُ كَوْنِهَا أَمَانَةً لَغْوٌ فَلَوْ أَعَارَهُ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ أَمَانَةً لَغَا الشَّرْطُ وَكَانَتْ مَضْمُونَةً ولم يَتَعَرَّضُوا لِصِحَّتِهَا وَلَا لِفَسَادِهَا قال الْإِسْنَوِيُّ وَالْقِيَاسُ تَخْرِيجُهُ على ما إذَا أَقْرَضَهُ صِحَاحًا بِشَرْطِ أَنْ يَرُدَّ عنها مُكَسَّرًا وَنَحْوَ ذلك وَقَضِيَّتُهُ تَرْجِيحُ الصِّحَّةِ وَإِلَيْهِ يُومِئُ تَعْبِيرُهُمْ بِأَنَّ الشَّرْطَ لَغْوٌ
فَرْعٌ لو أَعَارَ عَيْنًا بِشَرْطِ ضَمَانِهَا عِنْدَ تَلَفِهَا بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ قال الْمُتَوَلِّي فَسَدَ الشَّرْطُ دُونَ الْعَارِيَّةِ قال الْأَذْرَعِيُّ وَفِيهِ وَقْفَةٌ وَلَوْ وَلَدَتْ في يَدِ الْمُسْتَعِيرِ فَالْوَلَدُ أَمَانَةٌ وَلَوْ سَاقَهَا الْمُسْتَعِيرُ فَتَبِعَهَا وَلَدُهَا وَالْمَالِكُ سَاكِتٌ يَنْظُرُ فَالْوَلَدُ أَمَانَةٌ لِأَنَّهُ لم يَأْخُذْهُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ بَلْ لِتَعَذُّرِ حِفْظِهِ بِدُونِ أُمِّهِ وَذَلِكَ أَمَانَةٌ شَرْعِيَّةٌ كما لو طَيَّرَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا إلَى دَارِهِ فإذا تَمَكَّنَ من رَدِّهِ فلم يَرُدَّهُ ضَمِنَهُ وَقَوْلُهُ يُنْظَرُ من زِيَادَتِهِ وَلَوْ أَبْدَلَهُ بِقَوْلِهِ يُعْلَمُ كان أَوْلَى
فَرْعٌ مُؤْنَةُ الرَّدِّ لِلْعَارِيَّةِ إنْ كان له مُؤْنَةٌ على الْمُسْتَعِيرِ لِخَبَرِ على الْيَدِ ما أَخَذَتْ حتى تُؤَدِّيَهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ