ما جَاوَزَ وَادِي عَرَفَةَ إلَى الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ مِمَّا يَلِي بَسَاتِينَ ابْنِ عَامِرٍ وَلَيْسَ منها وَادِي عَرَفَةَ وَلَا نَمِرَةَ كما عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فَرْعٌ وَوَقْتُهُ أَيْ الْوُقُوفُ من زَوَالِ شَمْسِ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَى طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لِأَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَى أبو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ خَبَرَ الْحَجُّ عَرَفَةَ وَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قبل أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ وفي رِوَايَةِ من جاء عَرَفَةَ لَيْلَةَ جَمْعٍ أَيْ لَيْلَةَ مُزْدَلِفَةَ قبل طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ وَرَوَوْا أَيْضًا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عن عُرْوَةَ بن مُضَرِّسٍ قال أَتَيْت النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالْمُزْدَلِفَةِ حين خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ أَيْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَقُلْت يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي جِئْت من جَبَلِ طَيِّئٍ أَكْلَلْتُ رَاحِلَتِي وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي وَاَللَّهِ ما تَرَكْتُ من جَبَلٍ إلَّا وَقَفْت عليه فَهَلْ لي من حَجٍّ فقال صلى اللَّهُ عليه وسلم من أَدْرَكَ مَعَنَا هذه الصَّلَاةَ وَأَتَى عَرَفَةَ قبل ذلك لَيْلًا أو نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ وَالتَّفَثُ ما يَفْعَلُهُ الْمُحْرِمُ عِنْدَ تَحَلُّلِهِ من إزَالَةِ شُعْثٍ وَوَسَخٍ وَحَلْقِ شَعْرٍ وَقَلْمِ ظُفْرٍ
وَلَا دَمَ على من دَفَعَ من عَرَفَةَ قبل الْغُرُوبِ وَإِنْ لم يَعُدْ إلَيْهَا لِقَوْلِهِ في خَبَرِ عُرْوَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ فَلَوْ وَجَبَ الدَّمُ لَكَانَ حَجُّهُ نَاقِصًا مُحْتَاجًا إلَى الْجَبْرِ وَلِأَنَّهُ أَدْرَكَ من الْوُقُوفِ ما أَجْزَأَهُ فلم يَجِبْ الدَّمُ كما لو وَقَفَ لَيْلًا بَلْ يُسْتَحَبُّ إنْ لم يَعُدْ إلَيْهَا بَعْدَهُ أَيْ بَعْدَ الْغُرُوبِ خُرُوجًا من خِلَافِ من أَوْجَبَهُ لِتَرْكِهِ ما فَعَلَهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم من الْجَمْعِ بين اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَإِنْ عَادَ فَلَا اسْتِحْبَابَ وَيُجْزِئُهُ الْوُقُوفُ لَيْلًا لِخَبَرِ عُرْوَةَ وَهَذَا يُغْنِي عنه ما مَرَّ
فَرْعٌ وَإِنْ غَلِطَ الْجَمُّ الْغَفِيرُ ضَمَّ الْغَفِيرَ إلَى الْجَمِّ سَهْوًا وَإِنَّمَا يُضَمُّ إلَى الْجَمَّاءِ بِالْمَدِّ فَفِي الصِّحَاحِ في بَابِ الْمِيمِ الْجَمُّ الْكَثِيرُ وفي بَابِ الرَّاءِ يقول جَاءُوا جَمَّاءَ غَفِيرًا وَالْجَمَّاءُ الْغَفِيرُ أَيْ جَاءُوا بِجَمَاعَتِهِمْ الشَّرِيفُ وَالْوَضِيعُ ولم يَتَخَلَّفْ أَحَدٌ وَكَانَتْ فِيهِمْ كَثْرَةُ الْجَمَّاءِ الْغَفِيرِ يُنْصَبُ كما تُنْصَبُ الْمَصَادِرُ التي في مَعْنَاهُ كَجَاءُونِي جميعا وَقَاطِبَةً وَكَافَّةً وَطُرًّا وَأَدْخَلُوا فيه أَلْ كما أَدْخَلُوهَا في قَوْلِهِمْ أَوْرَدَهَا الْعِرَاكَ أَيْ عِرَاكًا فَكَانَ الْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ وَإِنْ غَلِطَ الْجَمُّ أو جَمٌّ أَيْ كَثِيرُونَ لَا قَلِيلُونَ على خِلَافِ الْعَادَةِ في الْحَجِيجِ فَوَقَفُوا يوم الْعَاشِرِ بِأَنْ ظَنُّوهُ التَّاسِعَ كَأَنْ غُمَّ عليهم هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ فَأَكْمَلُوا عِدَّةً ذِي الْقِعْدَةِ ثَلَاثِينَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الْهِلَالَ أُهِلَّ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ وَلَوْ كان وُقُوفُهُمْ بَعْدَ التَّبَيُّنِ أَيْ تَبَيُّنِ أَنَّهُ الْعَاشِرُ كما إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ الْعَاشِرُ لَيْلًا ولم يَتَمَكَّنُوا من الْوُقُوفِ صَحَّ الْوُقُوفُ لِلْإِجْمَاعِ وَلِخَبَرِ أبي دَاوُد مُرْسَلًا يَوْمُ عَرَفَةَ الْيَوْمُ الذي يُعَرِّفُ الناس فيه وَلِأَنَّهُمْ لو كُلِّفُوا بِالْقَضَاءِ لم يَأْمَنُوا وُقُوعَ مِثْلِهِ فيه وَلِأَنَّ فيه مَشَقَّةٌ عَامَّةٌ بِخِلَافِ ما إذَا قَلُّوا وَلَيْسَ من الْغَلَطِ الْمُرَادُ لهم ما إذَا وَقَعَ ذلك بِسَبَبِ الْحِسَابِ كما ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ قال الدَّارِمِيُّ وإذا وَقَفُوا الْعَاشِرَ غَلَطًا حُسِبَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ على الْحَقِيقَةِ لَا على حِسَابِ وُقُوفِهِمْ وَعَلَيْهِ فَلَا يُقِيمُونَ بِمِنًى إلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ خَاصَّةً لَا إنْ وَقَفُوا الْيَوْمَ الثَّامِنَ فَلَا يَصِحُّ وَفَارَقَ الْغَلَطُ بِالْعَاشِرَةِ بِأَنَّ تَأْخِيرَ الْعِبَارَةِ عن وَقْتِهَا أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِسَابِ من تَقْدِيمِهَا عليه وَبِأَنَّ الْغَلَطَ بِالتَّقْدِيمِ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عنه لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقَعُ لِغَلَطٍ في الْحِسَابِ أو لِخَلَلٍ في الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِتَقْدِيمِ الْهِلَالِ وَالْغَلَطُ بِالتَّأْخِيرِ قد يَكُونُ بِالْغَيْمِ الْمَانِعِ من رُؤْيَةِ الْهِلَالِ وهو لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عنه ثُمَّ إنْ عَلِمُوا قبل فَوْتِ الْوَقْتِ وَجَبَ الْوُقُوفُ فيه لِتَمَكُّنِهِمْ منه أو بَعْدَهُ وَجَبَ الْقَضَاءُ كما يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي وَلَا إنْ وَقَفُوا الْحَادِيَ عَشَرَ وَلَا إنْ غَلِطُوا في الْمَكَانِ فَوَقَفُوا بِغَيْرِ عَرَفَةَ فَلَا يَصِحُّ لِنُدْرَةِ ذلك فَيَقْضُونَ لِلْفَوَاتِ أَيْ لِأَجْلِهِ وَمَنْ رَأَى الْهِلَالَ وَحْدَهُ أو مع غَيْرِهِ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ وَوَقَفَ قَبْلَهُمْ لَا مَعَهُمْ أَجْزَأَهُ إذْ الْعِبْرَةُ في دُخُولِ وَقْتِ عَرَفَةَ وَخُرُوجِهِ بِاعْتِقَادِهِ وَهَذَا كَمَنْ شَهِدَ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ
فَصْلٌ الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةُ وَهِيَ ما بين مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ وَوَادِي مُحَسِّرٍ مُشْتَقَّةٌ من الِازْدِلَافِ وهو التَّقَرُّبُ لِأَنَّ الْحُجَّاجَ يُقَرِّبُونَ منها نُسُكٌ لِلِاتِّبَاعِ الْمَعْلُومِ من الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ وهو مَنْدُوبٌ على ما صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَوَاجِبٌ على ما صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَمَحَلُّهُ في غَيْرِ الْمَعْذُورِ كما سَيَأْتِي وَيَكْفِي في الْمَبِيتِ بها الْحُصُولُ بها سَاعَةً أَيْ لَحْظَةً