رَوَى الشَّيْخَانِ عن جَابِرٍ وَعَائِشَةَ أَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَفْرَدَ الْحَجَّ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَرَوَيَا عن أَنَسٍ قال سَمِعْت النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم يقول لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا وَرَوَيَا عن ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَحْرَمَ مُتَمَتِّعًا وَرُجِّحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ رُوَاتَهُ أَكْثَرُ وَبِأَنَّ جَابِرًا منهم أَقْدَمُ صُحْبَةً وَأَشَدُّ عِنَايَةً بِضَبْطِ الْمَنَاسِكِ وَبِأَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم اخْتَارَهُ أَوَّلًا كما سَيَأْتِي وَبِالْإِجْمَاعِ على أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فيه وَبِأَنَّ الْمُفْرِدَ لم يَرْبَحْ ما رَبِحَهُ الْمُتَمَتِّعُ من اسْتِبَاحَةِ الْمَحْظُورَاتِ وَلَا ما رَبِحَهُ من انْدِرَاجِ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ تَحْتَ الْحَجِّ فَهُوَ أَشَقُّ عَمَلًا وَبِأَنَّ التَّمَتُّعَ وَالْقِرَانَ يَجِبُ فِيهِمَا الدَّمُ بِخِلَافِ الْإِفْرَادِ وَالْجَبْرُ دَلِيلُ النُّقْصَانِ وَأَمَّا تَمَنِّيهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم التَّمَتُّعَ بِقَوْلِهِ لو اسْتَقْبَلْت من أَمْرِي ما اسْتَدْبَرَتْ ما أَهْدَيْت وَلَجَعَلْتهَا عُمْرَةً فَلِتَطْيِيبِ قُلُوبِ الصَّحَابَةِ حَيْثُ حَزِنُوا على عَدَمِ الْمُوَافَقَةِ لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالِاعْتِمَارِ لِعَدَمِ الْهَدْيِ قال الْقَاضِي وَلِأَنَّ ظَاهِرَ الْخَبَرِ من أَنَّ الْإِهْدَاءَ يَمْنَعُ الِاعْتِمَارَ غَيْرُ مُرَادٍ إجْمَاعًا قال في الْمَجْمُوعِ
وَالصَّوَابُ الذي نَعْتَقِدُهُ أَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَلَ عليه الْعُمْرَةَ وَخُصَّ بِجَوَازِهِ في تِلْكَ السَّنَةِ لِلْحَاجَةِ وَأَمَرَ بِهِ في قَوْلِهِ لَبَّيْكَ عُمْرَةً في حِجَّةٍ وَبِهَذَا يَسْهُلُ الْجَمْعُ بين الرِّوَايَاتِ فَعُمْدَةُ رُوَاةِ الْإِفْرَادِ وَهُمْ الْأَكْثَرُ أَوَّلُ الْإِحْرَامِ وَعُمْدَةُ رُوَاةِ الْقِرَانِ آخِرُهُ وَمَنْ رَوَى التَّمَتُّعَ أَرَادَ التَّمَتُّعَ اللُّغَوِيَّ وهو الِانْتِفَاعُ وقد انْتَفَعَ بِالِاكْتِفَاءِ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ وَيُؤَيِّدُ ذلك أَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم لم يَعْتَمِرْ في تِلْكَ السَّنَةِ عُمْرَةً مُفْرَدَةً وَلَوْ جُعِلَتْ حِجَّةً مُفْرَدَةً لَكَانَ غير مُعْتَمِرٍ في تِلْكَ السَّنَةِ ولم يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ الْحَجَّ وَحْدَهُ أَفْضَلُ من الْقِرَانِ فَانْتَظَمَتْ الرِّوَايَاتُ في حِجَّتِهِ في نَفْسِهِ وَأَمَّا الصَّحَابَةُ فَكَانُوا ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ قِسْمٌ أَحْرَمُوا بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ أو بِحَجٍّ وَمَعَهُمْ هَدْيٌ وَقِسْمٌ بِعُمْرَةٍ فَفَرَغُوا منها ثُمَّ أَحْرَمُوا بِحَجٍّ وَقِسْمٌ بِحَجٍّ وَلَا هَدْيَ مَعَهُمْ فَأَمَرَهُمْ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ يَقْلِبُوهُ عُمْرَةً وهو مَعْنَى فَسْخِ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ وهو خَاصٌّ بِالصَّحَابَةِ أَمَرَهُمْ بِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِبَيَانِ مُخَالَفَةِ ما كانت عليه الْجَاهِلِيَّةُ من تَحْرِيمِ الْعُمْرَةِ في أَشْهُرِ الْحَجِّ وَاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ إيقَاعَهَا فيه من أَفْجَرِ الْفُجُورِ كما أَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ على الْحَجِّ لِذَلِكَ وَدَلِيلُ التَّخْصِيصِ خَبَرُ أبي دَاوُد عن الْحَارِثِ بن بِلَالٍ عن أبيه قال قُلْت يا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت فَسْخَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ لنا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً فقال بَلْ لَكُمْ خَاصَّةً فَانْتَظَمَتْ الرَّاوِيَاتُ في إحْرَامِهِمْ أَيْضًا فَمَنْ رَوَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَارِنِينَ أو مُتَمَتِّعِينَ أو مُفْرِدِينَ أَرَادَ بَعْضَهُمْ وَهُمْ الَّذِينَ عُلِمَ ذلك منهم وَظُنَّ أَنَّ الْبَقِيَّةَ مِثْلُهُمْ
وَأَمَّا تَفْضِيلُ التَّمَتُّعِ على الْقِرَانِ فَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ ثُمَّ الْقِرَانُ أَيْ أَفْضَلُ فَهُوَ أَفْضَلُ من الْحَجِّ ثُمَّ الْحَجُّ أَفْضَلُ من الْعُمْرَةِ
فَالْإِفْرَادُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ وَيَفْرُغُ منه ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ وَمَحَلُّ أَفْضَلِيَّتِهِ على التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ أَنْ يَعْتَمِرَ من سَنَتِهِ فَإِنْ لم يَعْتَمِرْ فيها فَهُمَا أَفْضَلُ منه لِأَنَّهُ يُكْرَهُ تَأْخِيرُ الِاعْتِمَارِ عنها كما مَرَّ وَأَمَّا الْقِرَانُ فَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا أو بِالْعُمْرَةِ وَلَوْ قبل أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ يُدْخِلُهُ أَيْ الْحَجَّ عليها في أَشْهُرِهِ قبل الشُّرُوعِ في الطَّوَافِ دَلِيلُ الصُّورَةِ الْأُولَى الْإِجْمَاعُ وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ عن عَائِشَةَ قالت خَرَجْنَا مع رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا من أَهَلَّ بِحَجٍّ وَمِنَّا من أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا من أَهَلَّ بِهِمَا وَدَلِيلُ الثَّانِيَةِ خَبَرُ مُسْلِمٍ أَنَّ عَائِشَةَ أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ فَدَخَلَ عليها رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَوَجَدَهَا تَبْكِي فقال ما شَأْنُك قالت حِضْت وقد حَلَّ الناس ولم أَحْلُلْ ولم أَطُفْ بِالْبَيْتِ فقال لها أَهِلِّي بِالْحَجِّ فَفَعَلَتْ وَوَقَفَتْ الْمَوَاقِفَ حتى إذَا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فقال لها قد حَلَلْت من حَجِّك وَعُمْرَتِك جميعا
وَلَا يَجُوزُ إدْخَالُ الْحَجِّ على الْعُمْرَةِ بَعْدَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ في الطَّوَافِ وَلَوْ بِخُطْوَةٍ لِاتِّصَالِ إحْرَامِهَا بِمَقْصُودِهِ وهو أَعْظَمُ أَفْعَالِهَا فَيَقَعُ عنها وَلَا يَنْصَرِفُ بَعْدَ ذلك إلَى غَيْرِهَا وَلِأَنَّهُ أَخَذَ في التَّحَلُّلِ الْمُقْتَضِي لِنُقْصَانِ الْإِحْرَامِ فَلَا يَلِيقُ بِهِ إدْخَالُ الْإِحْرَامِ الْمُقْتَضِي لِقُوَّتِهِ فَلَوْ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ بِنِيَّةِ الطَّوَافِ فَفِي صِحَّةِ الْإِدْخَالِ وَجْهَانِ قال في الْمَجْمُوعِ يَنْبَغِي تَصْحِيحُ الْجَوَازِ لِأَنَّهُ مُقَدَّمَتُهُ لَا بَعْضُهُ قال وَلَوْ شَكَّ هل أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قبل الشُّرُوعِ في الطَّوَافِ أو بَعْدَهُ قال الْمَاوَرْدِيُّ قال أَصْحَابُنَا صَحَّ إحْرَامُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ إدْخَالِ الْحَجِّ على الْعُمْرَةِ حتى يَتَّقِينَ الْمَنْعَ فَصَارَ كَمَنْ أَحْرَمَ وَتَزَوَّجَ ولم يَدْرِ هل كان إحْرَامُهُ قبل تَزَوُّجِهِ أو بَعْدَهُ فإنه يَصِحُّ تَزَوُّجُهُ وإذا أَحْرَمَ بِهِمَا أو بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلَ عليها الْحَجَّ قبل الشُّرُوعِ في الطَّوَافِ فَتَنْدَرِجُ فيه فَيَكْفِيهِ عَمَلُ الْحَجِّ لِمَا رَوَى الشَّيْخَانِ عن عَائِشَةَ أَنَّ الَّذِينَ قَرَنُوا مع النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا وَسَعَوْا سَعْيًا وَاحِدًا