وهو كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فيها خَالِدُونَ وَبِهَذَا قَيَّدَ الْأَصْحَابُ بَقِيَّةَ الْآيَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وهو في الْآخِرَةِ من الْخَاسِرِينَ
وَإِنَّمَا يُفْرَضَانِ على كل مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ حُرٍّ مُسْتَطِيعٍ فَلَا يُفْرَضَانِ على كَافِرٍ أَصْلِيٍّ وَلَا غَيْرِ مُمَيِّزٍ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَلَا على من فيه رِقٌّ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ مُسْتَحَقَّةٌ لِسَيِّدِهِ فَلَيْسَ مُسْتَطِيعًا وَلَا فَرْضَ على غَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ لِمَفْهُومِ الْآيَةِ وَذَكَرَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا خَمْسَ مَرَاتِبَ الصِّحَّةُ الْمُطْلَقَةُ وَصِحَّةُ الْمُبَاشَرَةِ وَالْوُقُوعُ عن النُّذُورِ وَالْوُقُوعُ عن فَرْضِ الْإِسْلَامِ وَالْوُجُوبُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ فَيُشْتَرَطُ مع الْوَقْتِ الْإِسْلَامُ وَحْدَهُ لِلصِّحَّةِ الْمُطْلَقَةِ فَلَا يَصِحَّانِ من كَافِرٍ وَلَا عنه أَصْلِيًّا كان أو مُرْتَدًّا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْعِبَادَةِ ومع التَّمْيِيزِ دُونَ ما يَأْتِي لِلْمُبَاشَرَةِ فَلَا تَصِحُّ من غَيْرِ مُمَيِّزٍ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَإِنَّمَا يُحْرِمُ عنه وَلِيُّهُ كما سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَمَعَ التَّكْلِيفِ دُونَ ما يَأْتِي لِلنَّذْرِ فَلَا يَصِحُّ نَذْرُهُمَا من كَافِرٍ وَلَا غَيْرِ مُكَلَّفٍ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَهَذَا من زِيَادَتِهِ هُنَا وَمَعَ الْحُرِّيَّةِ دُونَ الِاسْتِطَاعَةِ لِوُقُوعِهِ أَيْ الْفِعْلِ الْآتِي بَيَانُهُ عن حِجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ فَلَا يَقَعُ عنهما من غَيْرِ مُكَلَّفٍ وَلَا مِمَّنْ فيه رِقٌّ لِخَبَرِ أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ عَتَقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَلِأَنَّ النُّسُكَ عِبَادَةُ عُمْرٍ فَاعْتُبِرَ وُقُوعُهُ حَالَ الْكَمَالِ فَلَوْ تَكَلَّفَهُ الْفَقِيرُ وَقَعَ فَرْضُهُ لِكَمَالِ حَالِهِ بِخِلَافِهِ من غَيْرِ الْمُكَلَّفِ وَمَنْ فيه رِقٌّ وَلَا يَتَكَرَّرُ وُجُوبُهُمَا لِمَا مَرَّ إلَّا بِنَذْرِ أو قَضَاءٍ لِتَكَرُّرِ مُقْتَضِيهِ فِيهِمَا
فَرْعٌ الِاسْتِطَاعَةُ تَارَةً تَكُونُ بِالنَّفْسِ وَتَارَةً تَكُونُ بِالْغَيْرِ فَالْأُولَى تَتَعَلَّقُ بِخَمْسَةِ أُمُورٍ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ لِتَفْسِيرِ السَّبِيلِ في الْآيَةِ بِهِمَا في خَبَرِ الْحَاكِمِ وقال صَحِيحٌ على شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَتُعْتَبَرُ أَوْعِيَةُ الزَّادِ كما يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي لِلضَّرُورَةِ إلَيْهَا فَمَنْ فَضَلَ عن دَيْنِهِ وَلَوْ مُؤَجَّلًا أو أُمْهِلَ بِهِ وَلَوْ إلَى إيَابِهِ وعن نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ من تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ وَكِسْوَتُهُمْ اللَّائِقَةُ بِهِ وَبِهِمْ ذَهَابًا وَإِيَابًا وَكَذَا عن مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ يَحْتَاجُهُ أَيْ كُلًّا مِنْهُمَا لِزَمَانَةٍ أو مَنْصِبٍ أو نَحْوِهِمَا أو عن ثَمَنِهِمَا ما يَصْرِفُهُ في الزَّادِ وَأَوْعِيَتِهِ وَمُؤَنِ السَّفَرِ ذَهَابًا وَإِيَابًا فَمُسْتَطِيعٌ فَيَلْزَمُهُ النُّسُكُ وَإِلَّا فَلَا كَنَظِيرِهِ في الْكَفَّارَةِ وَصَرَّحَ الدَّارِمِيُّ بِمَنْعِهِ من ذلك حتى يَتْرُكَ لِمُمَوِّنِهِ نَفَقَةَ الذَّهَابِ وَالْإِيَابِ وَوَجْهُ اعْتِبَارِ كَوْنِ ما ذُكِرَ فَاضِلًا عن دَيْنِهِ الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ أَنَّ الْحَالَّ على الْفَوْرِ وَالْحَجُّ على التَّرَاخِي وَالْمُؤَجَّلَ يَحِلُّ عليه فإذا صَرَفَ ما معه في الْحَجِّ لم يَجِدْ ما يَقْضِي بِهِ الدَّيْنَ
وقد يُقَالُ الْمُرَادُ بِالنَّفَقَةِ ما يَشْمَلُ ما ذُكِرَ وَإِعْفَافَ الْأَبِ وَأُجْرَةَ الطَّبِيبِ وَثَمَنَ الْأَدْوِيَةِ لِحَاجَتِهِ وَحَاجَةِ الْقَرِيبِ وَالْمَمْلُوكِ إلَيْهِمَا وَلِحَاجَةِ غَيْرِهِمَا إذَا تَعَيَّنَ الصَّرْفُ إلَيْهِ لِأَنَّ ذلك قد يُسَمُّونَهُ نَفَقَةً كما يُسَمُّونَهُ مُؤْنَةً وَاللَّائِقَةُ صِفَةٌ لِنَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ من تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ لَا لِفَاعِلِ تَلْزَمُهُ فَتَأَمَّلْ قال الْإِسْنَوِيُّ وَكَلَامُهُمْ يَشْمَلُ الْمَرْأَةَ الْمَكْفِيَّةَ بِإِسْكَانِ الزَّوْجِ وَإِخْدَامِهِ وهو مُتَّجَهٌ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ قد تَنْقَطِعُ فَتَحْتَاجُ إلَيْهِمَا وَكَذَا الْمَسْكَنُ لِلْمُتَفَقِّهَةِ السَّاكِنِينَ بِبُيُوتِ الْمَدَارِسِ وَالصُّوفِيَّةِ بِالرُّبُطِ وَنَحْوِهَا ا ه وقال ابن الْعِمَادِ بَلْ الْمُتَّجَهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ مُسْتَطِيعُونَ لِاسْتِغْنَائِهِمْ في الْحَالِ فإنه الْمُعْتَبَرُ وَلِهَذَا تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ على من كان غَنِيًّا لَيْلَةَ الْعِيدِ وَإِنْ لم يَكُنْ معه ما يَكْفِيهِ في الْمُسْتَقْبَلِ وما قَالَهُ حَسَنٌ وهو ما رَجَّحَهُ السُّبْكِيُّ في غَيْرِ الزَّوْجَةِ فَإِنْ كان على مَسَافَةَ الْقَصْرِ مُطْلَقًا أو دُونَهَا وهو ضَعِيفٌ عن الْمَشْيِ لِأَدَاءِ النُّسُكِ بِأَنْ يَعْجِزَ عنه أو يَنَالَهُ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَفْضُلَ له عَمَّا ذَكَرَهُ ما يَصْرِفُهُ في الرَّاحِلَةِ أَيْضًا فَإِنْ كان قَوِيًّا على الْمَشْيِ بِلَا مَشَقَّةٍ فِيمَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلَا يُعْتَبَرُ فيه ذلك بَلْ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إذْ لَا ضَرَرَ عليه فيه بِخِلَافِ الْقَادِرِ عليه بِزَحْفٍ أو حَبْوٍ وَاعْتَبَرُوا الْمَسَافَةَ هُنَا من مَبْدَأِ سَفَرِهِ إلَى مَكَّةَ لَا إلَى الْحَرَمِ عَكْسُ ما اعْتَبَرُوهُ في حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ في التَّمَتُّعِ رِعَايَةً لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ فِيهِمَا وفي عَدَمِ اعْتِبَارِ الرَّاحِلَةِ فِيمَا إذَا كان بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ عَرَفَاتٍ أَكْثَرُ نُظِرَ
وَيُسَنُّ لِقَادِرٍ على الْمَشْيِ لَا يَجِدُ رَاحِلَةً بَلْ زَادًا أو له صَنْعَةٌ يَكْتَسِبُ بها مُؤْنَتَهُ وهو لَا يَجِبُ عليه الْمَشْيُ أَنْ يَحُجَّ لِقُدْرَتِهِ على إسْقَاطِ الْفَرْضِ