فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 2058

قال اللَّهُ تَعَالَى وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ من السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ عَدَلَ إلَيْهِ عن قَوْلِ الْأَصْلِ قال اللَّهُ تَعَالَى وَأَنْزَلْنَا من السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا لِمَا قِيلَ أَنَّهُ أَصْرَحُ منه دَلَالَةً الْمُطَهِّرُ لِلْحَدَثِ وهو هُنَا أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ يَقُومُ بِالْأَعْضَاءِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ وَالْخَبَثُ وهو مُسْتَقْذَرٌ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ أَيْ لَا غَيْرَهُ من تُرَابِ تَيَمُّمٍ وَحَجَرِ اسْتِنْجَاءٍ وَأَدْوِيَةِ دِبَاغٍ وَشَمْسٍ وَرِيحٍ وَنَارٍ وَغَيْرِهَا حتى التُّرَابَ في غَسَلَاتِ الْكَلْبِ فإن الْمُزِيلَ هو الْمَاءُ بِشَرْطِ امْتِزَاجِهِ بِالتُّرَابِ في غَسْلِهِ منها كما سَيَأْتِي في بَابِهِ فَالْجُمْلَةُ مُفِيدَةٌ لِلْحَصْرِ بِتَعْرِيفِ طَرَفَيْهَا وَدَلِيلُ ذلك قَوْله تَعَالَى فلم تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا وَقَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم في خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ حين بَالَ الْأَعْرَابِيُّ في الْمَسْجِدِ صُبُّوا عليه ذَنُوبًا من مَاءٍ وَالذَّنُوبُ الدَّلْوُ الْمُمْتَلِئَةُ مَاءً

وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فَلَوْ رَفَعَ غير الْمَاءِ لم يَجِبْ التَّيَمُّمُ عِنْدَ فَقْدِهِ وَلَا غَسْلُ الْبَوْلِ بِهِ وَلَا يُقَاسُ بِهِ غَيْرُهُ لِأَنَّ اخْتِصَاصَ الطُّهْرِ بِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ تَعَبُّدٌ وَعِنْدَ غَيْرِهِ لِمَا فيه من الرِّقَّةِ وَاللَّطَافَةِ التي لَا تُوجَدُ في غَيْرِهِ وَحَذَفَ من كَلَامِ الْأَصْلِ من الْمَائِعَاتِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فَإِنْ قُلْت بَلْ يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِخْرَاجِ التُّرَابِ فإنه مُطَهِّرٌ وَلَيْسَ بِمَاءٍ قُلْت مُسَلَّمٌ أَنَّهُ مُطَهِّرٌ لَكِنَّهُ مُطَهِّرٌ لِلْحَدَثِ لَا لِلْخَبَثِ وَالْكَلَامُ في الْمُطَهِّرِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مع أَنَّ كَلَامَنَا في الرَّافِعِ لَا في الْمُبِيحِ فَقَطْ وَلِهَذَا عَبَّرَ الْمُحَرَّرُ بِقَوْلِهِ لَا يَجُوزُ رَفْعُ حَدَثٍ وَلَا إزَالَةُ نَجِسٍ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَالْمِنْهَاجُ بِقَوْلِهِ يُشْتَرَطُ لِرَفْعِ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ مَاءٌ مُطْلَقٌ وَإِنَّمَا اقْتَصَرُوا على رَفْعِهِمَا لِأَنَّهُمَا الْأَصْلُ وَإِلَّا فَالطَّهَارَةُ الْمَسْنُونَةُ مَثَلًا كَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وهو الْعَارِي عن إضَافَةٍ لَازِمَةٍ أَيْ قَيْدٍ لَازِمٍ فَخَرَجَ الْمُقَيَّدُ بِذَلِكَ سَوَاءٌ أَقَيَّدَ بِإِضَافَةٍ نَحْوِيَّةٍ كَمَاءِ الْوَرْدِ أَمْ بِصِفَةٍ كَمَاءٍ دَافِقٍ أَيْ مَنِيٍّ أَمْ فَاللَّامُ عَهْدٍ كَقَوْلِهِ في الحديث نعم إذَا رَأَتْ الْمَاءَ أَيْ الْمَنِيَّ وَأَوْرَدَ على التَّعْرِيفِ الْمُتَغَيِّرِ كَثِيرًا بِمَا لَا يُؤَثِّرُ كَطِينٍ وَطُحْلُبٍ فإنه مُطْلَقٌ مع أَنَّهُ لم يُقِرَّ عَمَّا ذُكِرَ وَأُجِيبَ بِمَنْعٍ أَنَّهُ مُطْلَقٌ

وَإِنَّمَا أَعْطَى حُكْمَهُ في جَوَازِ التَّطْهِيرِ بِهِ لِلضَّرُورَةِ فَهُوَ مُسْتَثْنًى من غَيْرِ الْمُطْلَقِ على أَنَّ الرَّافِعِيَّ قال أَهْلُ اللِّسَانِ وَالْعُرْفِ لَا يَمْتَنِعُونَ من إيقَاعِ اسْمِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ عليه فَعَلَيْهِ لَا إيرَادَ أَصْلًا وَلَوْ كان الْعَارِي عَمَّا ذُكِرَ مَاءً يَنْعَقِدُ بِجَوْهَرِهِ أو بِغَيْرِهِ الْمَفْهُومِ بِالْأَوْلَى كَسَبُوخَةِ الْأَرْضِ مِلْحًا لِأَنَّ اسْمَ الْمَاءِ يَتَنَاوَلُهُ في الْحَالِ وَإِنْ تَغَيَّرَ بَعْدُ أو كان بُخَارُهُ أَيْ رَشْحُ بُخَارِ الْمَاءِ الْمَغْلِيِّ لِأَنَّهُ مَاءٌ حَقِيقَةً وَيَنْقُصُ منه بِقَدْرِهِ وَهَذَا ما صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ تَلْوِيحًا في الرَّوْضَةِ وَصَرِيحًا في غَيْرِهَا وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ في الشَّرْحِ الصَّغِيرِ عن الرُّويَانِيِّ ثُمَّ قال وَنَازَعَ فيه عَامَّةُ الْأَصْحَابِ وَقَالُوا يُسَمَّى بُخَارًا أو رَشْحًا لَا مَاءً على الْإِطْلَاقِ لَا قَلِيلُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا على الْمُطْلَقِ أو الْعَارِي أَيْ لَا مَاءٍ قَلِيلٌ مُسْتَعْمَلٌ في فَرْضٍ من رَفْعِ حَدَثٍ أو خَبَثٍ فَلَا يُطَهِّرُ شيئا لِانْتِقَالِ الْمَنْعِ إلَيْهِ وَلِأَنَّ السَّلَفَ لم يَجْمَعُوهُ في أَسْفَارِهِمْ لِاسْتِعْمَالِهِ ثَانِيًا مع احْتِيَاجِهِمْ إلَيْهِ وَعَدَمِ اسْتِقْذَارِهِ في الطَّهَارَةِ بَلْ عَدَلُوا إلَى التَّيَمُّمِ فَإِنْ قُلْت طَهُورٌ في الْآيَةِ السَّابِقَةِ بِوَزْنِ فَعُولٌ فَيَقْتَضِي تَكَرُّرِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ قُلْت فَعُولٌ يَأْتِي اسْمًا لِلْآلَةِ كَسَحُورٍ لِمَا يُتَسَحَّرُ بِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ طَهُورًا كَذَلِكَ وَلَوْ سَلَّمَ اقْتِضَاؤُهُ التَّكَرُّرَ فَالْمُرَادُ جَمْعًا بين الْأَدِلَّةِ ثُبُوتُ ذلك لِجِنْسِ الْمَاءِ وفي الْمَحَلِّ الذي يَمُرُّ عليه فإنه يُطَهِّرُ كُلَّ جُزْءٍ منه

وَالْمُرَادُ بِالْفَرْضِ ما لَا بُدَّ منه أَثِمَ بِتَرْكِهِ أَمْ لَا كما أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَلَوْ من حَنَفِيٍّ بِلَا نِيَّةٍ وَصَبِيٍّ إذْ لَا بُدَّ لِصِحَّةِ صَلَاتِهِمَا من الْوُضُوءِ وَالْأَوَّلُ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ دُونَ الثَّانِي وَلَا أَثَرَ لِاعْتِقَادِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَاءَ الْحَنَفِيِّ فِيمَا ذُكِرَ لم يَرْفَعْ حَدَثًا بِخِلَافِ اقْتِدَائِهِ بِحَنَفِيٍّ مَسَّ فَرْجَهُ حَيْثُ لَا يَصِحُّ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِهِ لِأَنَّ الرَّابِطَةَ مُعْتَبَرَةٌ في الِاقْتِدَاءِ دُونَ الطَّهَارَاتِ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ بِالِاسْتِعْمَالِ قد يُوجَدُ من غَيْرِ نِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ كما في إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَغُسْلِ الْمَجْنُونَةِ وَالْمُمْتَنِعَةِ من الْغُسْلِ بِخِلَافِ الِاقْتِدَاءِ لَا بُدَّ فيه من نِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ وَنِيَّةُ الْإِمَامِ فِيمَا ذُكِرَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ في ظَنِّ الْمَأْمُومِ ثُمَّ الْمُسْتَعْمَلُ ليس بِمُطْلَقٍ على ما صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ في تَحْقِيقِهِ وَغَيْرِهِ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ كَالرَّوْضَةِ وَمُطْلَقٌ على ما جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وقال النَّوَوِيُّ في شَرْحِ التَّنْبِيهِ أَنَّهُ الصَّحِيحُ عِنْدَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت