قال اللَّهُ تَعَالَى وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ من السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ عَدَلَ إلَيْهِ عن قَوْلِ الْأَصْلِ قال اللَّهُ تَعَالَى وَأَنْزَلْنَا من السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا لِمَا قِيلَ أَنَّهُ أَصْرَحُ منه دَلَالَةً الْمُطَهِّرُ لِلْحَدَثِ وهو هُنَا أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ يَقُومُ بِالْأَعْضَاءِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ وَالْخَبَثُ وهو مُسْتَقْذَرٌ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ أَيْ لَا غَيْرَهُ من تُرَابِ تَيَمُّمٍ وَحَجَرِ اسْتِنْجَاءٍ وَأَدْوِيَةِ دِبَاغٍ وَشَمْسٍ وَرِيحٍ وَنَارٍ وَغَيْرِهَا حتى التُّرَابَ في غَسَلَاتِ الْكَلْبِ فإن الْمُزِيلَ هو الْمَاءُ بِشَرْطِ امْتِزَاجِهِ بِالتُّرَابِ في غَسْلِهِ منها كما سَيَأْتِي في بَابِهِ فَالْجُمْلَةُ مُفِيدَةٌ لِلْحَصْرِ بِتَعْرِيفِ طَرَفَيْهَا وَدَلِيلُ ذلك قَوْله تَعَالَى فلم تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا وَقَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم في خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ حين بَالَ الْأَعْرَابِيُّ في الْمَسْجِدِ صُبُّوا عليه ذَنُوبًا من مَاءٍ وَالذَّنُوبُ الدَّلْوُ الْمُمْتَلِئَةُ مَاءً
وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فَلَوْ رَفَعَ غير الْمَاءِ لم يَجِبْ التَّيَمُّمُ عِنْدَ فَقْدِهِ وَلَا غَسْلُ الْبَوْلِ بِهِ وَلَا يُقَاسُ بِهِ غَيْرُهُ لِأَنَّ اخْتِصَاصَ الطُّهْرِ بِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ تَعَبُّدٌ وَعِنْدَ غَيْرِهِ لِمَا فيه من الرِّقَّةِ وَاللَّطَافَةِ التي لَا تُوجَدُ في غَيْرِهِ وَحَذَفَ من كَلَامِ الْأَصْلِ من الْمَائِعَاتِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فَإِنْ قُلْت بَلْ يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِخْرَاجِ التُّرَابِ فإنه مُطَهِّرٌ وَلَيْسَ بِمَاءٍ قُلْت مُسَلَّمٌ أَنَّهُ مُطَهِّرٌ لَكِنَّهُ مُطَهِّرٌ لِلْحَدَثِ لَا لِلْخَبَثِ وَالْكَلَامُ في الْمُطَهِّرِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مع أَنَّ كَلَامَنَا في الرَّافِعِ لَا في الْمُبِيحِ فَقَطْ وَلِهَذَا عَبَّرَ الْمُحَرَّرُ بِقَوْلِهِ لَا يَجُوزُ رَفْعُ حَدَثٍ وَلَا إزَالَةُ نَجِسٍ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَالْمِنْهَاجُ بِقَوْلِهِ يُشْتَرَطُ لِرَفْعِ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ مَاءٌ مُطْلَقٌ وَإِنَّمَا اقْتَصَرُوا على رَفْعِهِمَا لِأَنَّهُمَا الْأَصْلُ وَإِلَّا فَالطَّهَارَةُ الْمَسْنُونَةُ مَثَلًا كَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وهو الْعَارِي عن إضَافَةٍ لَازِمَةٍ أَيْ قَيْدٍ لَازِمٍ فَخَرَجَ الْمُقَيَّدُ بِذَلِكَ سَوَاءٌ أَقَيَّدَ بِإِضَافَةٍ نَحْوِيَّةٍ كَمَاءِ الْوَرْدِ أَمْ بِصِفَةٍ كَمَاءٍ دَافِقٍ أَيْ مَنِيٍّ أَمْ فَاللَّامُ عَهْدٍ كَقَوْلِهِ في الحديث نعم إذَا رَأَتْ الْمَاءَ أَيْ الْمَنِيَّ وَأَوْرَدَ على التَّعْرِيفِ الْمُتَغَيِّرِ كَثِيرًا بِمَا لَا يُؤَثِّرُ كَطِينٍ وَطُحْلُبٍ فإنه مُطْلَقٌ مع أَنَّهُ لم يُقِرَّ عَمَّا ذُكِرَ وَأُجِيبَ بِمَنْعٍ أَنَّهُ مُطْلَقٌ
وَإِنَّمَا أَعْطَى حُكْمَهُ في جَوَازِ التَّطْهِيرِ بِهِ لِلضَّرُورَةِ فَهُوَ مُسْتَثْنًى من غَيْرِ الْمُطْلَقِ على أَنَّ الرَّافِعِيَّ قال أَهْلُ اللِّسَانِ وَالْعُرْفِ لَا يَمْتَنِعُونَ من إيقَاعِ اسْمِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ عليه فَعَلَيْهِ لَا إيرَادَ أَصْلًا وَلَوْ كان الْعَارِي عَمَّا ذُكِرَ مَاءً يَنْعَقِدُ بِجَوْهَرِهِ أو بِغَيْرِهِ الْمَفْهُومِ بِالْأَوْلَى كَسَبُوخَةِ الْأَرْضِ مِلْحًا لِأَنَّ اسْمَ الْمَاءِ يَتَنَاوَلُهُ في الْحَالِ وَإِنْ تَغَيَّرَ بَعْدُ أو كان بُخَارُهُ أَيْ رَشْحُ بُخَارِ الْمَاءِ الْمَغْلِيِّ لِأَنَّهُ مَاءٌ حَقِيقَةً وَيَنْقُصُ منه بِقَدْرِهِ وَهَذَا ما صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ تَلْوِيحًا في الرَّوْضَةِ وَصَرِيحًا في غَيْرِهَا وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ في الشَّرْحِ الصَّغِيرِ عن الرُّويَانِيِّ ثُمَّ قال وَنَازَعَ فيه عَامَّةُ الْأَصْحَابِ وَقَالُوا يُسَمَّى بُخَارًا أو رَشْحًا لَا مَاءً على الْإِطْلَاقِ لَا قَلِيلُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا على الْمُطْلَقِ أو الْعَارِي أَيْ لَا مَاءٍ قَلِيلٌ مُسْتَعْمَلٌ في فَرْضٍ من رَفْعِ حَدَثٍ أو خَبَثٍ فَلَا يُطَهِّرُ شيئا لِانْتِقَالِ الْمَنْعِ إلَيْهِ وَلِأَنَّ السَّلَفَ لم يَجْمَعُوهُ في أَسْفَارِهِمْ لِاسْتِعْمَالِهِ ثَانِيًا مع احْتِيَاجِهِمْ إلَيْهِ وَعَدَمِ اسْتِقْذَارِهِ في الطَّهَارَةِ بَلْ عَدَلُوا إلَى التَّيَمُّمِ فَإِنْ قُلْت طَهُورٌ في الْآيَةِ السَّابِقَةِ بِوَزْنِ فَعُولٌ فَيَقْتَضِي تَكَرُّرِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ قُلْت فَعُولٌ يَأْتِي اسْمًا لِلْآلَةِ كَسَحُورٍ لِمَا يُتَسَحَّرُ بِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ طَهُورًا كَذَلِكَ وَلَوْ سَلَّمَ اقْتِضَاؤُهُ التَّكَرُّرَ فَالْمُرَادُ جَمْعًا بين الْأَدِلَّةِ ثُبُوتُ ذلك لِجِنْسِ الْمَاءِ وفي الْمَحَلِّ الذي يَمُرُّ عليه فإنه يُطَهِّرُ كُلَّ جُزْءٍ منه
وَالْمُرَادُ بِالْفَرْضِ ما لَا بُدَّ منه أَثِمَ بِتَرْكِهِ أَمْ لَا كما أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَلَوْ من حَنَفِيٍّ بِلَا نِيَّةٍ وَصَبِيٍّ إذْ لَا بُدَّ لِصِحَّةِ صَلَاتِهِمَا من الْوُضُوءِ وَالْأَوَّلُ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ دُونَ الثَّانِي وَلَا أَثَرَ لِاعْتِقَادِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَاءَ الْحَنَفِيِّ فِيمَا ذُكِرَ لم يَرْفَعْ حَدَثًا بِخِلَافِ اقْتِدَائِهِ بِحَنَفِيٍّ مَسَّ فَرْجَهُ حَيْثُ لَا يَصِحُّ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِهِ لِأَنَّ الرَّابِطَةَ مُعْتَبَرَةٌ في الِاقْتِدَاءِ دُونَ الطَّهَارَاتِ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ بِالِاسْتِعْمَالِ قد يُوجَدُ من غَيْرِ نِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ كما في إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَغُسْلِ الْمَجْنُونَةِ وَالْمُمْتَنِعَةِ من الْغُسْلِ بِخِلَافِ الِاقْتِدَاءِ لَا بُدَّ فيه من نِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ وَنِيَّةُ الْإِمَامِ فِيمَا ذُكِرَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ في ظَنِّ الْمَأْمُومِ ثُمَّ الْمُسْتَعْمَلُ ليس بِمُطْلَقٍ على ما صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ في تَحْقِيقِهِ وَغَيْرِهِ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ كَالرَّوْضَةِ وَمُطْلَقٌ على ما جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وقال النَّوَوِيُّ في شَرْحِ التَّنْبِيهِ أَنَّهُ الصَّحِيحُ عِنْدَ