بَعْدَ الْمَوْتِ فَيَعْمَلُ بِنِيَّتِهِ فَإِنْ لم يَنْوِ شيئا حُمِلَ على الْمَشِيئَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ أَخَّرَ ذِكْرَهَا عن ذِكْرِهِ وَالسَّابِقُ إلَى الْفَهْمِ منه تَأْخِيرُهَا عنه وَكَأَنَّهُمْ لَحَظُوا في هذا التَّمْلِيكِ فَاعْتَبَرُوا فيه تَأْخِيرَ الْمَشِيئَةِ لِتَقَعَ الْحُرِّيَّةُ عَقِبَ الْقَبُولِ وَإِلَّا فَيُشْكِلُ على ما مَرَّ في الطَّلَاقِ من أَنَّهُ إذَا تَوَالَى الشَّرْطَانِ يُعْتَبَرُ تَقْدِيمُ الثَّانِي على الْأَوَّلِ وَعَلَيْهِ يُسْتَثْنَى منه التَّعْلِيقُ بِمَشِيئَةِ الزَّوْجَةِ مع أَنَّ ذلك يُشْكِلُ أَيْضًا على ما لو قال إنْ شِئْت فَأَنْتَ حُرٌّ إذَا مِتُّ فإنه يُعْتَبَرُ فيه الْمَشِيئَةُ في الْحَيَاةِ كما مَرَّ وَإِنْ كان الْجَزَاءُ فيه مُتَوَسِّطًا بِخِلَافِهِ هُنَا وقد يُجَابُ بِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ من كُلٍّ مِنْهُمَا ما ذُكِرَ فيه لِتَقَدُّمِ الْمَشِيئَةِ ثَمَّ وَتَأَخُّرِهَا هُنَا وَكَذَا سَائِرُ التَّعْلِيقَاتِ التي تَوَسَّطَ فيها الْجَزَاءُ بين الشَّرْطَيْنِ كَقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ إنْ أو إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْت طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فإنه يَعْمَلُ بِنِيَّتِهِ فَإِنْ لم يَنْوِ شيئا حُمِلَ على تَأْخِيرِ الشَّرْطِ الثَّانِي عن الْأَوَّلِ وَتُشْتَرَطُ هُنَا الْمَشِيئَةُ فَوْرًا بَعْدَ الْمَوْتِ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْأَكْثَرِينَ عِبَارَةُ الْأَصْلِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ منهم الْعِرَاقِيُّونَ وهو مُخَالِفٌ لِمَا سَبَقَ عن الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيُّ آنِفًا لَا مُخَالَفَةَ لِأَنَّ حَمْلَ الْإِطْلَاقِ لِاحْتِمَالِهِ الْقَبْلِيَّةَ على الْبَعْدِيَّةِ لَا يُقَاوِمُ التَّصْرِيحَ بها أو بِنِيَّتِهَا الْمُبْطِلَ لِلْفَوْرِيَّةِ
وَلَوْ قال وَلَا نِيَّةَ له إنْ رَأَيْت عَيْنًا فَأَنْت حُرٌّ وَالْعَيْنُ مُشْتَرَكَةٌ بين الْعَيْنِ النَّاظِرَةِ وفي نُسْخَةٍ الْبَاصِرَةِ وَعَيْنِ الْمَاءِ وعين الدِّينَارِ فَيَعْتِقُ بِرُؤْيَةِ أَحَدِهَا وَحَيْثُ اعْتَبَرْنَا الْمَشِيئَةَ على الْفَوْرِ فَأَخَّرَهَا بَطَلَ التَّعْلِيقُ وَإِنْ لم يَعْتَبِرْ كما في قَوْلِهِ فَأَنْتَ حُرٌّ مَتَى شِئْت وَأَخَّرَهَا عَرَضَ عليه الْوَرَثَةُ الْمَشِيئَةَ أو الدُّخُولَ أو نَحْوَهُ إنْ عَلَّقَ بِهِ كما يُقَالُ لِلْمُوصَى له اقْبَلْ أو رُدَّ فَإِنْ امْتَنَعَ فَلَهُمْ بَيْعُهُ وَلَا يُبَاعُ قبل الْعَرْضِ لِذَلِكَ عليه فُرُوعٌ لو قال إذَا شَاءَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَعَبْدِي حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي فَشَاءَ جميعا صَارَ مُدَبَّرًا الْأَوْلَى قَوْلُ أَصْلِهِ لم يَكُنْ مُدَبَّرًا حتى يَشَاءَ جميعا لِإِيهَامِ الْفَاءِ التَّعْقِيبَ وَيَلْغُو قَوْلُهُ إذَا مِتّ فَشِئْت فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ لَا يَحْصُلُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَكَذَا يَلْغُو قَوْلُهُ إذَا مِتُّ فَدَبِّرُوا عَبْدِي وَلَوْ قال إذَا مِتُّ فَعَبْدٌ من عَبِيدِي حُرٌّ فَمَاتَ ولم يُبَيِّنْ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ
وَلَوْ وفي نُسْخَةٍ وَإِنْ قال لِعَبْدِهِ إنْ قَرَأْت الْقُرْآنَ بَعْدَ مَوْتِي فَأَنْت حُرٌّ لم يَعْتِقْ إلَّا بِقِرَاءَةِ جَمِيعِهِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ له إذَا قَرَأْت قُرْآنًا بَعْدَ مَوْتِي فَأَنْتَ حُرٌّ فإنه يَعْتِقُ بِقِرَاءَةِ بَعْضِ الْقُرْآنِ وَالْفَرْقُ التَّعْرِيفُ وَالتَّنْكِيرُ
الرُّكْنُ الثَّالِثُ الْأَهْلُ فَلَا يَصِحُّ التَّدْبِيرُ إلَّا من مُكَلَّفٍ وَلَوْ سَفِيهًا لِزَحْمَتِنَا فَلَا يَصِحُّ من غَيْرِ مُكَلَّفٍ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْعُقُودِ وكان حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ إلَّا أَدْفَاءٌ لَكِنَّهُ جَرَى على طَرِيقَتِهِ من أَنَّهُ مُكَلَّفٌ وقد عَرَفْت ما فيه وَلِوَلِيِّ السَّفِيهِ الذي صَدَرَ منه تَدْبِيرٌ الرُّجُوعُ فيه بِالْبَيْعِ لِلْمَصْلَحَةِ التي رَآهَا فيه وَيَصِحُّ تَدْبِيرُ كَافِرٍ وَلَوْ حَرْبِيًّا وَإِيلَادُهُ وَتَعْلِيقُهُ الْمُعْتَقُ بِصِفَةٍ لِأَنَّهُ صَحِيحُ الْمِلْكِ وَتَدْبِيرُ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفٌ كَمِلْكِهِ إنْ أَسْلَمَ بَانَ صِحَّتُهُ وَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا بَانَ فَسَادُهُ
وَإِنْ ارْتَدَّ الْمُدَبَّرُ أو السَّيِّدُ أو اسْتَوْلَى على الْمُدَبَّرِ أَهْلُ الْحَرْبِ لم يَبْطُلْ تَدْبِيرُهُ وَيَعْتِقُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ صِيَانَةً لِحَقِّهِ عن الضَّيَاعِ وَكَمَا لَا يَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ الْبَيْعُ وَالْإِيلَادُ وَالْكِتَابَةُ وَغَيْرُهَا
وإذا لَحِقَ الْمُدَبَّرُ الْمُسْلِمُ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا لم يُسْتَرَقَّ وَإِنْ سُبِيَ لِأَنَّ سَيِّدَهُ إنْ كان حَيًّا فَهُوَ له وَإِلَّا فَوَلَاؤُهُ له وَلَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ وَلِكَافِرٍ حَمْلُ مُدَبَّرِهِ وَمُسْتَوْلَدَتِهِ الْكَافِرَيْنِ الْأَصْلِيَّيْنِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ سَوَاءٌ أَجْرَى التَّدْبِيرَ وَالِاسْتِيلَادَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَمْ بِدَارِ الْحَرْبِ