حَيْضٌ وَطُهْرٌ فَالْحَيْضُ في حَقِّهَا الْقَوِيُّ وَغَيْرُهُ اسْتِحَاضَةٌ تَقَدَّمَ الْقَوِيُّ أو تَأَخَّرَ أو تَوَسَّطَ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أبي حُبَيْشٍ رضي اللَّهُ عنها قالت لِلنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنِّي أُسْتَحَاضُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ فقال لَا إنَّمَا ذلك عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ فإذا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ وإذا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي وَلِخَبَرِ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ وَصَحَّحُوهُ أَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال لها إنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فإذا كان كَذَلِكَ فَدَعِي الصَّلَاةَ وإذا كان الْآخَرُ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي هذا إنْ لم يَنْقُصْ أَيْ الْقَوِيُّ عن أَقَلِّهِ أَيْ الْحَيْضِ ولم يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ لِيُمْكِنَ جَعْلُهُ حَيْضًا ولم يَنْقُصْ الضَّعِيفُ عن خَمْسَةَ عَشَرَ وَلَاءً لِيُمْكِنَ جَعْلُهُ طُهْرًا فَلَوْ رَأَتْ الْأَسْوَدَ يَوْمًا فَقَطْ أو سِتَّةَ عَشَرَ أو الضَّعِيفَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أو رَأَتْ أَبَدًا يَوْمًا أَسْوَدَ وَيَوْمَيْنِ أَحْمَرَ فَكَغَيْرِ الْمُمَيِّزَةِ وَإِنَّمَا تَفْتَقِرُ إلَى الْقَيْدِ الثَّالِثِ إذَا اسْتَمَرَّ الدَّمُ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لو رَأَتْ عَشَرَةً سَوَادًا ثُمَّ رَأَتْ عَشَرَةً حُمْرَةً أو نَحْوَهَا وَانْقَطَعَ الدَّمُ فَإِنَّهَا تَعْمَلُ بِتَمْيِيزِهَا مع أَنَّ الضَّعِيفَ نَقَصَ عن خَمْسَةَ عَشَرَ وَهَذَا مَعْلُومٌ
وَالْقُوَّةُ لَوْنٌ وَثَخَانَةٌ وَنَتِنٌ وَسَبْقٌ كما بَيَّنَهَا مع بَيَانِ الْأَقْوَى لَوْنًا بِقَوْلِهِ سَوَادٌ ثُمَّ حُمْرَةٌ ثُمَّ شُقْرَةٌ ثُمَّ صُفْرَةٌ وَالثَّخَانَةُ وَالنَّتِنُ أَيْ الرَّائِحَةُ فما جُمِعَ من هذه الْقُوَى الثَّلَاثِ أَكْثَرُ فَهُوَ الْقَوِيُّ فَإِنْ اسْتَوَيَا في الصِّفَاتِ كَأَنْ كان أَحَدُهُمَا أَسْوَدَ بِلَا ثِخَنٍ وَنَتَنٍ وَالْآخَرُ أَحْمَرَ بِأَحَدِهِمَا أو كان الْأَسْوَدُ بِأَحَدِهِمَا وَالْأَحْمَرُ بِهِمَا اعْتَبَرَ السَّبَقُ لِقُوَّتِهِ وَإِنْ اجْتَمَعَ قَوِيٌّ وَضَعِيفٌ وَأَضْعَفُ فَالْقَوِيُّ مع ما يُنَاسِبُهُ في الْقُوَّةِ مِنْهُمَا الْأَخْصَرُ وَالْأَوْضَحُ مع الضَّعِيفِ لَكِنْ فِيمَا عَبَّرَ بِهِ تَنْبِيهٌ على الْمَأْخَذِ حَيْضٌ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ وَهِيَ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْقَوِيُّ وَأَنْ يَتَّصِلَ بِهِ الْمُنَاسِبُ أَيْ الضَّعِيفُ وَأَنْ يَصْلُحَا مَعًا لِلْحَيْضِ بِأَنْ لَا يَزِيدَ مَجْمُوعُهُمَا على أَكْثَرِهِ كَخَمْسَةٍ سَوَادًا ثُمَّ خَمْسَةٍ حُمْرَةً ثُمَّ أَطْبَقَتْ الصُّفْرَةُ فَالْأَوَّلَانِ حَيْضٌ وَتَرْجِيحُ كَوْنِ الثَّانِي مِنْهُمَا حَيْضًا من زِيَادَتِهِ وهو ما رَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ في الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَالنَّوَوِيُّ في التَّحْقِيقِ وَالْمَجْمُوعِ وَحَكَى فيه الْأَصْلُ طَرِيقَيْنِ بِلَا تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا ما ذُكِرَ إلْحَاقًا له بِالْقَوِيِّ لِأَنَّهُمَا قَوِيَّانِ بِالْإِضَافَةِ إلَى ما بَعْدَهُمَا وَالثَّانِي وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا ما ذَكَرَ وَالثَّانِي إلْحَاقُهُ بِالضَّعِيفِ بَعْدَهُ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَاتِ وَإِنْ لم يَصْلُحَا مَعًا لِلْحَيْضِ كَعَشَرَةٍ سَوَادًا وَسِتَّةٍ حُمْرَةً ثُمَّ أَطْبَقَتْ الصُّفْرَةُ أو صَلُحَا لَكِنْ تَقَدَّمَ الضَّعِيفُ كَخَمْسَةٍ حُمْرَةً ثُمَّ خَمْسَةٍ سَوَادًا ثُمَّ أَطْبَقَتْ الصُّفْرَةُ أو تَأَخَّرَ لَكِنْ لم يَتَّصِلْ الضَّعِيفُ بِالْقَوِيِّ كَخَمْسَةٍ سَوَادًا ثُمَّ خَمْسَةٍ صُفْرَةً ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ فَالْحَيْضُ السَّوَادُ فَقَطْ وَالثَّلَاثُ مَفْهُومَةٌ من كَلَامِهِ السَّابِقِ فَتَصْرِيحُهُ بِالْأُولَى منها إيضَاحٌ وكان الْأَوْلَى التَّصْرِيحَ بِالثَّلَاثِ أو تَرْكَ التَّصْرِيحِ أَصْلًا لِئَلَّا يَقَعَ إيهَامٌ وما ذَكَرْتُهُ في الثَّالِثَةِ هو ما صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ في تَحْقِيقِهِ وَشُرَّاحُ الْحَاوِي الصَّغِيرِ لَكِنَّهُ في الْمَجْمُوعِ كَالْأَصْلِ جَعَلَهَا كَتَوَسُّطِ الْحُمْرَةِ بين سِوَادَيْنِ وقال في تِلْكَ لو رَأَتْ سَوَادًا ثُمَّ حُمْرَةً ثُمَّ سَوَادًا كُلَّ وَاحِدٍ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فَحَيْضُهَا السَّوَادُ الْأَوَّلُ مع الْحُمْرَةِ فَإِنْ رَأَتْ مُبْتَدَأَةٌ خَمْسَةَ عَشَرَ حُمْرَةً ثُمَّ مِثْلَهَا سَوَادًا تَرَكَتْ الصَّلَاةَ وَغَيْرَهَا مِمَّا تَتْرُكُهُ الْحَائِضُ كَالصَّوْمِ شَهْرًا ثُمَّ إنْ اسْتَمَرَّ الْأَسْوَدُ فَلَا تَمْيِيزَ لها وَحَيْضُهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ من أَوَّلِ كل شَهْرٍ وَقَضَتْ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ قال في الْأَصْلِ وَلَا تُتَصَوَّرُ مُسْتَحَاضَةٌ تُؤْمَرُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ أَحَدًا وَثَلَاثِينَ يَوْمًا إلَّا هذه وَأَوْرَدَ عليه إنَّهَا قد تُؤْمَرُ بِالتَّرْكِ أَضْعَافَ ذلك كما لو رَأَتْ كُدْرَةً ثُمَّ صُفْرَةً ثُمَّ شُقْرَةً ثُمَّ حُمْرَةً ثُمَّ سَوَادًا من كل خَمْسَةَ عَشَرَ فَتُؤْمَرُ بِالتَّرْكِ في جَمِيعِ ذلك لِوُجُودِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ في الثَّلَاثِينَ وَهِيَ قُوَّةُ الْمُتَأَخِّرِ على الْمُتَقَدِّمِ مع رَجَاءِ انْقِطَاعِهِ وَأُجِيبَ عنه بِأَنَّهُمْ إنَّمَا اقْتَصَرُوا على الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّ دَوْرَ الْمَرْأَةِ غَالِبًا شَهْرٌ وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ الْأُولَى ثَبَتَ لها حُكْمُ الْحَيْضِ بِالظُّهُورِ فإذا جاء بَعْدَهَا ما يَنْسَخُهَا لِلْقُوَّةِ رَتَّبْنَا الْحُكْمَ عليه فلما جَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ عَلِمْنَا أنها غير مُمَيِّزَةٍ أَمَّا الْمُعْتَادَةُ فَيُتَصَوَّرُ كما قال الْبَارِزِيُّ أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا بِأَنْ تَكُونَ عَادَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ من أَوَّلِ كل شَهْرٍ فَرَأَتْ من أَوَّلِ شَهْرٍ خَمْسَةَ عَشَرَ حُمْرَةً ثُمَّ أَطْبَقَ السَّوَادَ فَتُؤْمَرُ بِالتَّرْكِ في الْخَمْسَةَ عَشَرَ الْأُولَى أَيَّامَ عَادَتِهَا وفي الثَّانِيَةِ لِقُوَّتِهَا رَجَاءَ اسْتِقْرَارِ التَّمْيِيزِ وفي الثَّالِثَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَمَرَّ السَّوَادُ تَبَيَّنَ أَنَّ مَرَدَّهَا الْعَادَةُ فَرْعٌ الْمُبْتَدَأَةُ الْمُمَيِّزَةُ وَغَيْرُ الْمُمَيِّزَةِ وَالْمُعْتَادَةُ كَذَلِكَ يَتْرُكْنَ الصَّلَاةَ وَغَيْرَهَا مِمَّا تَتْرُكُهُ الْحَائِضُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ حَيْضٌ فَيَتَرَبَّصْنَ فَإِنْ انْقَطَعَ لِدُونِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ في حَقِّهِنَّ لِتَبَيُّنِ أَنَّهُ دَمُ فَسَادٍ فَيَقْضِينَ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ فَإِنْ كُنَّ