ثم أخبر عن كمال جرأتهم بنيسان نعمة اختراع وجودهم وكفرانهم كما قال تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} [البقرة: 28] ، والإشارة في تحقيق الآية أن قوله تعالى: {كَيْفَ} خطاب التهديد للكافرين عموماً وخطاب التوحيد للمؤمنين خصوصاً وخطاب التشريف للأنبياء اختصاصاً، فتهديد الكافرين {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة: 28] ، نطفاً في أصلاب آبائكم {فََأَحْيَاكُمْ} [البقرة: 28] ، بنفخ الروح فيكم في أرحام أمهاتكم، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [البقرة: 28] ، عند مفارقة نفوسكم عن أبدانكم.
{ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28] ، عند نفخ الصور والبعث عن القبور {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28] ، بالسلاسل والأغلال، ثم يسحبون في النار على وجوههم. وفيه إشارة أخرى: كيف تكفرون بالله أي: لا تكفرون بالله وإنما تكفرون بأنبيائه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث، والجنة والنار، يدل عليه قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} [البقرة: 28] وبأنبيائه لأنكم {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة: 28] ذرات في صلب آدم فأحياكم بأخراجكم عن صلبه وأسمعكم لذلك خطاب: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ، وأذاقكم لذات الخطاب ووفقكم للجواب بالصواب حتى قلتم: {بَلَى} رغبة لا رهبة {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [البقرة: 28] بالرجعة إلى أصلاب آبائكم، وإلى عالم الطعبية الإنسانية {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28] ببعثة الأنبياء وقبول دعوته {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28] بدلالة الأنبياء وقدم التوحيد على جادة الشريعة إلى درجات الجنان والنعيم المقيم.