وأما خطاب التشريف للأنبياء والأولياء بقوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} [البقرة: 28] ، أي: لا تكفرون وكنتم في العدم، فأحياكم بالتكوين في عالم الأرواح ورشاش النور فخمر طينة أرواحكم بماء نور العناية، وتخمير الطينة أربعين صباح الوصال، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [البقرة: 28] بالمفارقة عن شهود الجمال إلى معبرة الحسن والخيال، كما قيل:
لَولا مُفارقة الأَحباب ما وجدت ... لَها المَنايا إِلى أَرواحنا سُبُلا
{ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28] أما الأنبياء فبنور نور الوحي لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52] ، وأما الأولياء فبروح روح الإيمان لقوله تعالى: {َأُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} [المجادلة: 22] .
{ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28] أما الأنبياء فبالعروج لقوله تعالى: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} [الفجر: 28] ، فلما أثبت أن الرجوع إليه أمر ضروري؛ إما بالاختيار كقراءة يعقوب ترجعون بفتح التاء وكسر الجيم، وأما بالإضطرار كقراءة الباقين أشار إلى أن الذي ترجعون إليه.
{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً} [البقرة: 29] أي: ما خلقكم لشيء وخلق كل شيء لكم؛ بل خلقكم لنفسه كما قال تعالى: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [طه: 41] معناه: لا تكن لشيء غيري فإني لست لشيء غيرك فبقدر ما تكون لي أكون لكن كما قال صلى الله عليه وسلم:"من كان لله كان الله له"وليس لشيء من الموجودات هذا الاستعداد أي: أن يكون هو لله على التحقيق وأن يكون الله له، وفي هذا سر عظيم وإفشاء سر الربوبية كفر، فلا تشتغل بم الك عمن أنت له فتبقى بلا هو بلا هو.