{يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً} [البقرة: 26] ، ممن أخطأه رشاش النور في بدء الخلقة كما قال صلى الله عليه وسلم:"إن خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل"فمن أخطأه ذلك النور في عالم الأرواح فقد أخطأه نور الإيمان هاهنا، ومن أخطأه نور الإيمان فقد أخطأه نور القرآن فلا يتهدي، ومن أصابه ذلك هناك أصابه هاهنا نور الإيمان ومن أصابه نور الإيمان فقد أصابه نور القرآن، ومن أصابه نور القرآن فهو ممن قال: {وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} [البقرة: 26] ، وكان القرآن لقوم شفاء ونعمة لأن كلامه صفة شاملة للطف والقهر؛ فبلطفه هدى الصادقين، وبقهره أضل الفاسقين بقوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26] ، والفاسق الخارج من إصابة رشاش النور في بدء الخلقة.
ثم أخبر عن نتائج ذلك الخروج ونقض العهد كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [البقرة: 27] ، الذين ينقضون عهد الله الذي عاهدوه يوم الميثاق على التوحيد والعبودية والإخلاص من بعد ميثاقه، {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} [البقرة: 27] ، من أسباب السلوك الموصل إلى الحق وأسباب النقل والانقطاع عن غير الخالق.
كما قال تعالى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} [المزمل: 8] ، أي: انقطع إليه انقطاعاً كاملاً عن غيره {وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ} [البقرة: 27] ، أي: يفسدون بذر التوحيد الفطري في أرض طينتهم بالشرك والإعراض عن قبول دعوة الأنبياء، وسقي بذر التوحيد بالإيمان والعمل الصالح {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 27] ، خسروا استعداد كمالية الإنسان المودعة فيهم كما تخسر النواة في الأرض استعداد النخلية المودعة فيها عند عدم الماء لقوله تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} [العصر: 1 - 3] .