قال ابن عرفة: قالوا: إن النهي تارة يكون للحاضر ، وتارة يكون للغائب ، فأمّا بالنسبة إلى القديم فلا فرق بينهما ، وأما فِي المحدثات فقد يكون النهي فِي الغيبة أقوى وأشد منه فِي الحضرة ، لأنك قد تنهي الشخص الحاضر عن فعل شيء بين يديك وتكون بحيث لو سمعت عنه أنه يفعله فِي غيبتك لا تزجره ولا تنهاه.
فهذا الأمر فيه أخف من شيء تزجره على فعله فِي الغيبة والحضرة فإن النهي فِي هذا أشد.
ولا يؤخذ من الآية أنّ الأمر بالشيء ليس هو نهيا عن ضده لأن"اسْتَشْهِدُوا"أمرٌ للمتعاقدين"وَلاَ يَأْبَ"نهي للشاهدين.
قوله تعالى: {وَلاَ تسئموا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إلى أَجَلِهِ ...} .
السآمة (بمعنى) الكسل ، وقدم الصغير خشية التهاون به والتفريط فيه كقول الزّمخشري فِي {لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} وقوله {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} وقوله {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} مع أن العداوة تنفي أخذ الدية ويوجب (التعارف) بها فلذلك قدمت الدّية.
والضمير فِي قوله"تَكْتُبُوهُ"(إما عائد على الحق أو على الدّين ، أو على الكتب.
(قال بعضهم: وإن عاد الضمير على الكتاب ف"أَوْ"للتخيير ، وإن عاد على الحق أو الدين ف"أَوْ"(للتفصيل) .
قوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ الله وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ ...} .
ابن عرفة: هذا دليل على أنّ الأمر المقدم للندب لا للوجوب.
والصواب أنّ المراد الإشهاد أقسط عند الله (والكتاب) أقوم للشهادة فيكون لفّا ونشرا ، أي أعدل وأقرب لقيام الشهادة.
و"أَقْسَطُ"قيل من الرباعي وهو شذوذ.