كما قال: {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16] ، لإبطالهم حسن استعداد قبول الهداية فالمثل كما قال تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً} [القرة: 17] ، والإشارة في تحقيق الآية أنه مثل المريد الذي له بداية جميلة ليسلك طريق الإرادة وتبعني بمقاساة شدائد الصحبة برهة حتى تنور بنور الهداية فاستوقد نار الطلب، {أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ} [البقرة: 17] ، فرأى أسباب السعادة والشقاوة فتمسك بحبل الصحبة فلازم الخدمة والخلوة، وعزفت نفسه عن الدنيا وأقبل على قمع الهوى، فشرقت له من صفاء القلب شوارق الشوق، وبرقت له من أنوار الروح بوارق الذوق، فأمن مكر الله وانخدع بخداع النفس فطرقته الهواجس وأزعجته الوساوس، ثم رجع القهقرى إلى ما كان من حضيض الدنيا، فغابت شمسه وأظلمت نفسه، وانقطع حبل وصاله قبل وصوله وأخرج من جنة نواله بعد دخوله فبقدمي سأمه وملاله عاد إلى أسوأ حاله.
كما قال تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47] وكما قيل:
حين قرَّ الهوى وقلنا سُرِرْنا ... وَحِسْبنا من الفراق أمِنَّا
بعث البَيْن رُسْل في خفاءٍ ... فأبادوا من شملنا ما جمعنا