والإشارة في تحقيق الآية أن من نتيجة طغيانهم وعمههم أن رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وأشرفوا في قلوبهم الضلالة واستودعت عن حسن استعدادهم الفطري القابل للضلالة والهداية حتى يطلب قابليته الهداية وبدلت بالضلالة، ولما كان لهم هذا الحال من نتيجة معاملتهم أضاف الفعل إليهم وقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} [البقرة: 16] .
وإنما قال بلفظ الاشتراء لأنهم خربوا استعداد قبول الهداية عن قدرتهم وتصرفهم فلا يملكون الرجوع إليه، وتمسكوا بالضلال الملاك فلا يمكنهم الرجوع إلى الهدى ولا يكون لهم دواء غير الرجوع؛ إذ هم اختاروا الضلالة على الهدى {فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16] ، لأن الخسران من رضي بالدنيا ظاهر، ومن آثر الدنيا والعقبى على الله المولى فهو أشد خسراناً وأعظم حرماناً، فإذا كان المصاب بفوات النعيم ممتحناً بنار الجحيم والعذاب الأليم فما نملك بالمصاب بفقد المطلوب وبعد المحبوب ضاعت عنه الأوقات وبقي في أسر الشهوات، لا إلى قلبه رسول ولا لروحه وصول لا من الحبيب إليه وقود ولا لسره معه شهود، فهذا هو المصاب الحقيقي إذا فاته مولاه الذي فاته سواه فإن لكل شيء بدل والله لا بدل له قال بعضهم: كنت السواد لناظري فبكى عليك الناظر من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر فجزاء اشترائهم الضلالة بالهدى إعواز ربح السعادة والفوز بالنعيم المقيم، وخسران بيع الهدى يوجدان العذاب الأليم؛ بل لفقدان الاهتداء على الصراط المستقيم إلى الله العلي العظيم الكريم الرحيم.