{ذلك} أي: الأمر العظيم من الوبال الدال قطعاً على أن الكفر أبطل الباطل وأنه مما يغضب الخالق {بأنه} أي: بسبب أن الشان العظيم البالغ في الفظاعة {كانت تأتيهم} على عادة مستمرة {رسلهم} أي: رسل الله الذين أرسلهم إليهم {بالبينات} أي: الحجج الظاهرات على الإيمان {فقالوا} أي: الكل لرسلهم منكرين غاية الإنكار تكبراً ، وقولهم: {أبشر يهدوننا} يجوز أن يرتفع بشر على الفاعلية ويكون من الاشتغال ، وهو الأرجح لأن الأداة تطلب الفعل ، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبر ، وجمع الضمير في يهدوننا ؛ إذ البشر اسم جنس ، وقد يأتي الواحد بمعنى الجمع فيكون اسماً للجنس ، وقد يأتي الجمع بمعنى الواحد كقوله تعالى: {ما هذا بشراً} (يوسف: (
فأنكروا على الملك الأعظم إرساله لهم {فكفروا} أي: بهذا القول ؛ إذ قالوه استصغاراً ولم يعلموا أن الله يبعث من يشاء إلى عباده {وتولوا} عن الإيمان.
فإن قيل: قوله تعالى: {فكفروا} تعميم يفهم منه التولي فما الحاجة إلى ذكره ؟
أجيب: بأنهم كفروا وقالوا: {أبشر يهدوننا} وهذا في معنى الإنكار والإعراض بالكلية ، وهذا هو التولي فكأنهم كفروا وقالوا قولاً يدل على التولي ، فلهذا قال: {فكفروا وتولوا} ، وقيل: كفروا بالرسل وتولوا بالبرهان ، وأعرضوا عن الإيمان والموعظة.
ونبه بقوله تعالى: {واستغنى الله} أي: الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه على أن هذا إنما هو لمصالح الخلق فهو غني عن كل شيء.
فإن قيل: قوله تعالى: {وتولوا واستغنى الله} يوهم وجود التولي والاستغناء معاً ، والله تعالى لم يزل غنياً ؟
أجيب: بأن معناه وظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان ، ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك {والله} أي: المستجمع الصفات الكمال {غني} عن خلقه {حميد} أي: محمود في أفعاله.