كَانَ مَلَكُ الْمَوْتِ يَأْتِي الناس فِي صُورَةِ الْبَشَرِ, فَرَكِبَ بَعْضُ الْجَبَّارِينَ فِي جُنْدِهِ يَوْمًا فَلَقِيَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ. فَقَالَ: دَعْنِي آتِي أَرْضِي الَّتِي خَرَجْتُ إِلَيْهَا ثُمَّ أَرْجِعُ من موكبي. فقال: لا والله لا تَرَى أَرْضَكَ أَبَدًا وَلا تَرْجِعُ مِنْ مَوْكِبِكَ أَبَدًا. قَالَ: فَدَعْنِي أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي. فَقَالَ: لا وَاللَّهِ لا تَرَى أَهْلَكَ أَبَدًا. فَقَبَضَ رُوحَهُ.
وَبَيْنَا رَجُلٌ يَنْظُرُ فِي أَصْنَافِ مَالِهِ طَلَعَ مَلَكُ الْمَوْتِ فَقَالَ: وَالَّذِي خَوَّلَكَ مَا تَرَى مَا أَنَا بِخَارِجٍ مِنْ مَنْزِلِكَ حَتَّى أُفَرِّقَ بَيْنَ رُوحِكَ وَبَدَنِكَ. قَالَ: فَالْمُهْلَةَ حَتَّى أُفَرِّقَهُ. قَالَ: هَيْهَاتَ! انْقَطَعَتْ عَنْكَ الْمُهْلَةُ.
وَلاحَ ملك الموت لرجل فقال لأهله: ايتوني بِصَحِيفَةٍ. فَقَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ: الأَمْرُ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ. فَقَبَضَ رُوحَهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْتَى بِالصَّحِيفَةِ.
إِخْوَانِي: اسْتَدْرِكُوا قَبْلَ الْفَوْتِ وَانْتَهُوا قَبْلَ الْمَوْتِ, وَأَصِيخُوا فَقَدْ أُسْمِعَ الصَّوْتُ.
(سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} )
واعجباً لنفسٍ الموتُ مَوْئِلُهَا وَالْقَبْرُ مَنْزِلُهَا وَاللَّحْدُ مَدْخَلُهَا ثُمَّ يَسُوءُ عَمَلُهَا {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} .
كَمْ قَاطِعٍ زَمَانَهُ بِالتَّسْوِيفِ, بَائِعٍ دِينَهُ بِالْحَبَّةِ وَالرَّغِيفِ, مُشْتَرٍ لِلْوَيْلِ بِتَطْفِيفِ الطَّفِيفِ, يَتَمَنَّى الْعَوْدَ إِذَا رَأَتْ نَفْسُهُ مَا يُذْهِلُهَا {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} .
كَمْ مَشْغُولٍ بِالْقُصُورِ يَعْمُرُهَا, لا يُفَكِّرُ فِي الْقُبُورِ وَلا يَذْكُرُهَا, يَبِيتَ اللَّيَالِيَ فِي فِكْرِ الدُّنْيَا وَيَسْهَرُهَا, يَجْمَعُ الأَمْوَالَ إِلَى الأَمْوَالِ يُثْمِرُهَا, وَقَعَ فِي أَشْرَاكِ الْمَنَايَا وَهُوَ لا يُبْصِرُهَا,
أُفٍّ لِدُنْيَا هَذَا آخِرُهَا وَآهٍ لأُخْرَى هَذَا أَوَّلُهَا {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} .