وفي الترمذي عن أبي الدرداء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ألا أدلكم على خير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله»
وهو في الموطأ موقوف على أبي الدرداء.
وقال معاذ بن جبل «ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله» .
وذكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تبع لذكره.
والمقصود: أن دوام الذكر سبب لدوام المحبة.
فالذكر للقلب كالماء للزرع، بل كالماء للسمك، لا حياة له إلا به.
وهو أنواع: ذكره بأسمائه وصفاته، والثناء عليه بها.
الثاني: تسبيحه وتحميده، وتكبيره وتهليله، وتمجيده، وهو الغالب من استعمال لفظ الذكر عند المتأخرين.
الثالث: ذكره بأحكامه وأوامره ونواهيه. وهو ذكر أهل العلم، بل الأنواع الثلاثة هي ذكرهم لربهم.
ومن أفضل ذكره: ذكره بكلامه. قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً. وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى}
فذكره هاهنا هو كلامه الذي أنزله على رسوله، وقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ. أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} .
ومن ذكره سبحانه: دعاؤه واستغفاره والتضرع إليه.
فهذه خمسة أنواع من الذكر.
(فصل)
إن كثرة ذكر الله عز وجل أمان من النفاق، فإن المنافقين قليلو الذكر لله عز وجل، قال الله عز وجل في المنافقين: {ولا يذكرون الله إلا قليلاً}
وقال كعب: من أكثر ذكر الله عز وجل برئ من النفاق ولهذا - والله أعلم - ختم الله تعالى سورة المنافقين بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} .
فإن في ذلك تحذيراً من فتنة المنافقين الذين غفلوا عن ذكر الله عز وجل فوقعوا في النفاق.
وسئل بعض الصحابة رضي الله عنهم عن الخوارج: منافقون هم؟
قال: لا، المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً.
فهذا من علامة النفاق قلة ذكر الله عز وجل، وكثرة ذكره أمان من النفاق، والله عز وجل أكرم من أن يبتلي قلباً ذاكراً بالنفاق، وإنما ذلك لقلوب غفلت عن ذكر الله عز وجل.
(فصل: في بيان منفعة الحق، ومنفعة الخلق، وما بينهما من التباين)
قال ابن القيم - بعد كلام -