وَمَعَ ذَلِك فَإِن بعض المدبرين عَن الله تَعَالَى المعرضين عَنهُ قد تسموا عُلَمَاء ونصبوا أنفسهم للدلالة على الله وهم حيارى متصنعة مدخولون متشبهة يَحْسبهُم الْجَاهِل أدلاء وهم عمي حيارى فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
وَاعْلَم أَن الْعِزّ والتعزز لَيْسَ بغائب قادم عَلَيْك فتريد التَّحَرُّز مِنْهُ والامتناع
عَلَيْهِ وَلكنه شَيْء قد حل بك وَنزل وَتمكن من الْمنزل واستوى وَجلسَ فِي صدر الْمجْلس وَأخذ مِنْك خيرك وَغلب أخير مَوضِع فِيك واتكأ على متكئه واستخدم أعوانه بِمَا يُوَافق هَوَاهُ فِي إقبالهم وإدبارهم
وَلَا أكثر عَلَيْك من صِفَات فروع دوائه فتمل وَتعرض وَلَكِن أدلك على الأصل الَّذِي إذا عالجته أَتَى على الأغصان كلهَا وَهُوَ الإياس من جَمِيع المخلوقين أَن يضروا أَو ينفعوا أَو يُعْطوا أَو يمنعوا أَو يحيوا أَو يميتوا فألزمه قَلْبك فَإِنَّهُ أصل الأصول وَرَأس الأمر وسنامه.
فَإِن كنت مرِيدا صَادِقا تحب النّظر فِي عواقب الأمور فأغلق على نَفسك بَاب الطمع وَافْتَحْ لَهَا بَاب الإياس وَانْفَرَدَ لذَلِك بإرادتك كلهَا وتجرد فِي طلبه كَالَّذي لَيْسَ لَهُ من حوائج الدُّنْيَا كلهَا إلا حَاجَة وَاحِدَة
وتعزم عزما صَحِيحا على أن تهب نَفسك لله فِي بَقِيَّة عمرك أن كنت ترَاهُ لذَلِك أَهلا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا أغناه عَن أهل السَّمَوَات وَأهل الأرضين وَمَا أَشد اضطرارهم إليه.
فَاجْعَلْ يَا أخي نَفسك كَهَيئَةِ الأسير فِي أيدي أهل زَمَانك أَيَّام حياتك فِي اتِّبَاع مرضاة الله عز وَجل والتخلص من بلية الْعِزّ فَإِن الأسير مَمْلُوك لَا يملك وَلَا يطْمع أن يظلم أحدا وَلَا ينتصر من ظَالِم ثمَّ تَجِد حلاوة طعم ذكر الله ولذاذة الْمُنَاجَاة فِي عبَادَة الله
وإنما قلت لَك اسْتِخْرَاج الْعِزّ وقطعه عَن قَلْبك باليأس من النَّاس لأنه يردك إلى الله ورجوعك إلى الله سُكُون قَلْبك عَلَيْهِ وَفِي سُكُون قَلْبك عَلَيْهِ الازدياد من طَاعَته والوصول إلى خاصية عِبَادَته وَفِي الْوُصُول إلى خاصية عِبَادَته النُّزُول عِنْد دَرَجَة العبيد وَفِي النُّزُول عِنْد دَرَجَة العبيد إصابة شرف الْعُبُودِيَّة وَمن إصابة شرف الْعُبُودِيَّة اكْتِسَاب الْقلب المذلة لله عز وَجل فأعزك بِطَاعَتِهِ وخضعت لَهُ فشرفك بِعِبَادَتِهِ قَالَ الله عز وَجل