وَآخر اصبح وَلم تكن همته وَلَا محبته إلا الْعِنَايَة بِنَفْي الْعِزّ من قلبه وَلُزُوم التَّوَاضُع وذل النَّفس لتجربته لنُور التَّوَاضُع ومعرفته بفوائده
فهنيئا لمن شغله مثل شغله مَا أنفعه من شغل وأرضاه عِنْد مليكه وأروحه للقلب.
فَاعْتبر برجلَيْن أمرا بالعبودية وأحدهما أحب أن يَجْعَل نَفسه عبدا كَمَا أمْر، وأحب الآخر أن يَجْعَل نَفسه ملكا أَي هذَيْن أولى بالجائزة من الْمولى وأيهما يستأهل الْعقُوبَة الموجعة.
(وَسَائِل علاج الْعِزّ)
قلت قد وصفت من فَسَاد الْعِزّ وضرره وشره مَا قد وصفت فَصف لي طَرِيق التَّحَرُّز والامتناع مِنْهُ فَإِن الْمَرِيض إذا عرف داءه أحب أن يعرف دواءه وَهَكَذَا من أحب أن يعرف عيب نَفسه يحب أن يعرف الَّذِي يصلح بِهِ عَيبه؟
فَقَالَ إِن ابْن آدم تكلّف نزُول الطير من جو السَّمَاء فأنزله
وتكلف خُرُوج الْحُوت من قَعْر الْبَحْر فَأخْرجهُ
وتكلف إِخْرَاج الذَّهَب وَالْفِضَّة من بطن الأَرْض فأخرجها
وتكلف أخذ الدَّوَابّ والأنعام والوحوش وَالسِّبَاع من البراري والغياض فَأَخذهَا وذللها وسخرها
وتكلف أخذ الأفاعي والحيات فَأَخذهَا
وتكلف معالجة الشَّيَاطِين فعالجها
وتكلف معرفَة النُّجُوم فِي السَّمَاء وأسماءها ومجاريها ومطالعها وَمَغَارِبهَا وتكلف منَازِل الشَّمْس وَالْقَمَر ومجاريهما ومطالعهما ومغاربهما
وتكلف معرفَة الْوَلَد إذا لم يكن من أبيه فَعرف ذَلِك كُله لما تكلفه
وتكلف مرض الْمَرِيض وأسباب علله بِالنّظرِ إلى بَوْله من غير أن ينظر إليه فَعرف داءه وَعرف دواءه فَعرف كل ذَلِك
وتكلف تعلم سير الْمُلُوك الْمَاضِيَة من الْقُرُون الأولى فكتبها ودرسها
وكل مَا تكلّف من ذَلِك فَإِنَّمَا حمل نَفسه على تكلفه لطلب الزِّيَادَة من الدُّنْيَا وَلَيْسَ فِي هَذَا من أمْر دينه الَّذِي كلفه شَيْء
وكلف تَقْوِيم نفس وَاحِدَة فَلم يقم بتقويمها وَلَيْسَ عَلَيْهِ من فَسَاد غَيرهَا شَيْء لم يُكَلف إِلَّا بإصلاح فَسَاد نَفسه وَحدهَا فَلم يقم بإصلاح فَسَادهَا فجهل بعض الصّلاح وَعلم بَعْضًا، فَمَا جهل فَهُوَ جَاهِل بِهِ لَا يتَكَلَّف علمه، وَمَا علمه من فَسَادهَا فَهُوَ مضيع لإصلاحه.