(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ(3)
«فإن قلت» : المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم، «1» فما معنى قوله (آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا) ؟
قلت: فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: آمنوا، أي: نطقوا بكلمة الشهادة وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام، ثم كفروا: ثم ظهر كفرهم بعد ذلك وتبين بما أطلع عليه من قولهم: إن كان ما يقوله محمد حقا فنحن حمير، وقولهم في غزوة تبوك: أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر هيهات.
ونحوه قوله تعالى (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ)
أي: وظهر كفرهم بعد أن أسلموا.
ونحوه قوله تعالى (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ) .
والثاني آمنوا: أي نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام، كقوله تعالى (وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا) إلى قوله تعالى (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) .
والثالث: أن يراد أهل الردة منهم.
(1) قال محمود: «المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم ... الخ.
قال أحمد: ويحتمل وجها رابعا وهو أنهم آمنوا به قبل مبعثه على الصفة المذكورة في التوراة، لأنهم كانوا يسمعونها من جيرانهم اليهود، ثم كفروا به بعد مبعثه وموافقة الصفة، ولعل في المنافقين يهودا، وإن لم يكن فقد كان الإيمان قبل مبعثه من الفريقين:
اليهود وعبدة الأوثان من العرب، إلى نزول قوله (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) كيف حكى الله تعالى عن الفريقين ما كانوا يقولونه.
والبينة: النبي صلى الله عليه وسلم.