وهذه أخطر قضية في كل أمة أي تقرير مصيرها ، ثم بيان حقيقة تأثير القرآن وفعاليته في المخلوقات ، ولو كانت جبلاً أشم أو حجراً أصم لو أنزل عليه لرأيته خاشعاً متصدعاً من خية الله ، فإذا بها قد اشتملت على موضوع الخلق والخالق والأمة أولرسالة والبدء والنهاية وصراع الحق مع الباطل ، والكفر والإيمان والنفوس في الشح والإحسان ، وكلها مواقف عملية ومناهج واقعية وأمثلة بيانية {وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21] .
فإذا ما توجه الفكر في هذا العرض ، وتنقل من موقف إلى موقف ، وتأمل صنع الله وقدرته وآياته ، نطق بتسبيحه ، وعلم أنه سبحانه هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ، علم ما سيكون عليه العالم قبل وجوده ، فأوجده على مقتضى علمه به ، وسيره على النحو الذي أوجده عليه ، علم خذلان المنافقين لليهود قبل أن يحرضهم ، فكان كما علم سبحانه وحذر من مشابهتهم ، وعلم أنه لو أنزل القرآن على جبل ماذا يكون حاله ، فحص العباد بالأخذ به ، ولعلمه هذا بالغيب والشهادة ، كان حقاً هو الله وحده.
ثم مرة أخرى: {هُوَ الله الذي لاَ إله إِلاَّ هُوَ الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر} [الحشر: 23] ، برهان آخر في صورة متعددة ، وبراهين متنوعة على وحدانيته سبحانه الملك القدّوس ، الملك المهيمن على ملكه القدّوس المسلم من كل نقص ، المسيطر على ما في ملكه كله لا يعزب عنه مثقال ذرة. كما قال تعالى: {تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الملك: 1] .
وهنا وقفة لتأمل اجتماع تلك الصفات معاً عالم الغيب والشهادة ، والملك القدوس والسلام المهيمن ، فنجدها مترابطة متلازمة لأن العالم إذا لم يملك التصرف ولم يهيمن على شيء فلا فعالية لعلمه والملك الذي لا يعلم ولم يتقدس عن النقص لا هيمنة له على ملكه.