ولقد استوقفني طويلاً مجيء هذه الآيات في نهاية هذه السورة تذييلاً لها وختاماً وبأسلوب الإجمال والتفصيل لقضايا التوحيد ، وإقامة الدليل ، وإلزام أهل الإلحاد والتعطيل ، فمكثت طويلاً أتطلب ربطها بما قبلها ، فلم أجد في كل ما عثرت عليه من التفسير أكثر من شرح المفردات ، وإيراد بعض التنبيهات مما لا ينفذ إلى أعماق الموضوع ، ولا يشفي عليلاً في مجتمعاتنا الحديثة ، أو يذهب شبه المدنية المادية ، فرجعت إلى السورة بكاملها أتأمل موضوعها فإذا بها تبدأ أولاً بتسبيح العوالم كلها لله العزيز الحكيم ، وهذا أمر فوق مستوى الأدراك الإنساني ، ثم تسوق أعظم حدث تشهده المدينة بعد الهجرة من إخراج اليهود ، ولم يكن مظنوناً إخراجهم ، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا فكانوا موضع العبرة والموعظة.
ثم تأتي الموقف فريقين متقابلين ، فريق المؤمنين والكافرين.
يتمثل الفريق الأول في المهاجرين والأنصار وما كانوا عليه من أخوة ومودة ورحمة وعطاء وإيثار على النفس.
ويتمثل افريق الآخر في المنافقين واليهود ، وما كان بينهم من مواعدة وإغراء وتحريض ، ثم تخل عنهم وخذلان لهم.
فكان في ذلك تصوير لحزبين متقابلين متناقضين حزب الرحمن ، وحزب الشيطان ، وهي صورة المجتمع في المدينة آنذاك.
ثم تأتي إلى مقارنة أخرى بين نتائج هذين الحزبين ومنها هما وعدم استوائهما ، وفي ذلك تقرير المصير: {لاَ يستوي أَصْحَابُ النار وَأَصْحَابُ الجنة أَصْحَابُ الجنة هُمُ الفآئزون} [الحشر: 20] .