ونقول: إن من حمل أمر الدين على ما شاهد فجعل البهيمة لا تقول، والطائر لا يسبح، والبقعة من بقاع الأرض لا تشكو إلى أختها، والذباب لا يعلم موضع السم، وموضع الشفاء؛ واعترض على ما جاء في الحديث مما لا يفهمه، فقال: كيف يكون قيراط مثل أحد؟ وكيف يأكل الشيطان بشماله ويشرب بشماله؟ وأي شمال له؟ وكيف لقي آدم موسى صلى الله عليهما؛ حتى تنازعا في القدر وبينهما أحقاب؟ وأين تنازعا؟ فإنه منسلخ من الإسلام معطل غير أنه يستعد بمثل هذا وشبهه من القول، واللغو والجدال ودفع الأخبار والآثار مخالف لما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولما درج عليه الخيار من صحابته والتابعون، ومن كذب ببعض ما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان كمن كذب به كله، ولو أراد أن ينتقل عن الإسلام إلى دين لا يؤمن فيه بهذا وأشباهه، لم يجد منتقلًا، لأن اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والوثنية يؤمنون بمثل ذلك، ويجدونه مكتوبًا عندهم، وما علمت أحدًا ينكر هذا إلا قومًا من الدهرية، وقد اتبعهم على ذلك قوم من أهل الكلام والجهمية.
وبعد فما ينكر من أن يكون في الذباب سم وشفاء؛ إذا نحن تركنا طريق الديانة ورجعنا إلى الفلسفة، وهل الذباب في ذلك إلا بمنزلة الحية؟ فإن الأطباء يذكرون أن لحمها شفاء من سمها، إذا عمل منه الترياق الأكبر، ونافع من لدغ العقارب، وعض الكلاب، والحمى الربع، والفالج، واللقوة، والارتعاش، والصرع، وكذلك قالوا في العقرب: إنها إذا شق بطنها ثم شدت على موضع اللسعة؛ نفعت وإذا أحرقت فصارت رمادًا ثم سقي منها من به الحصاة نفعته، وربما لسعت المفلوج فأفاق، وتلقى في الدهن حينًا فيكون ذلك الدهن مفرقًا للأورام الغليظة، والأطباء القدماء يزعمون أن الذباب إذا ألقي في الإثمد وسحق معه ثم اكتحل به؛ زاد ذلك في نور البصر، وشد مراكز الشعر من الأجفان في حافات الجفون، وحكوا عن صاحب المنطق؛ أن قومًا من الأمم كانوا يأكلون الذباب فلا يرمدون، وقالوا في الذباب: إذا شدخ ووضع على موضع لسعة العقرب سكن الوجع، وقالوا: من عضه الكلب احتاج إلى أن يستر وجهه من سقوط الذباب عليه لئلا هذا يقتله وهذا يدل على طبيعة فيه شفاء أو سم.