ثم بين - سبحانه - حكم الفيء الذي أفاءه على المسلمين في غزوة بنى النضير وفيما يشبهها من غزوات، وأمر المؤمنين بأن يطيعوا رسوله صلى الله عليه وسلم في أمره ونهيه، وأثنى - سبحانه - على المهاجرين والأنصار لقوة إيمانهم، ولنقاء قلوبهم وسخاء نفوسهم .. فقال - تعالى -:
[سورة الحشر (59) : الآيات 6 إلى 10]
(وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(6)
وقوله: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ، فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ ...
معطوف على قوله - تعالى -: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ... لبيان نعمة أخرى من النعم التي أنعم بها - سبحانه - على المؤمنين، في غزوة بنى النضير.
وأَفاءَ من الفيء بمعنى الرجوع، يقال: فاء عليه، إذا رجع، ومنه قوله - تعالى - في شأن الإيلاء: فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ..
والمراد به هنا معناه الشرعي: وهو ما حصل عليه المؤمنون من أموال أعدائهم بدون قتال، كأن يكون هذا المال عن طريق الصلح، كما فعل بنو النضير، فقد صالحوا المؤمنين على الخروج من المدينة، على أن يكون لكل ثلاثة منهم حمل بعير - سوى السلاح - وأن يتركوا بقية أموالهم للمسلمين.
والضمير في قوله مِنْهُمْ يعود إلى بنى النضير، الذي عبر - سبحانه - عنهم بقوله:
هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ....
وقوله: فَما أَوْجَفْتُمْ ... من الإيجاف بمعنى الإسراع في السير يقال: وجف الفرس يجف وجفا ووجيفا، إذا أسرع في سيره. والجملة خبر «ما» الموصولة في قوله: وَما أَفاءَ ... وما في قوله فَما أَوْجَفْتُمْ نافية.
والركاب: اسم جمع للإبل التي تركب، وفي الكلام حذف أغنى عنه قوله - سبحانه -:
فَما أَوْجَفْتُمْ ....