قال الآلوسي: واشتهر الاستدلال بهذه الجملة، على مشروعية العمل بالقياس الشرعي، قالوا: لأنه - تعالى - أمر فيها بالاعتبار، وهو العبور والانتقال من الشيء إلى غيره، وذلك متحقق في القياس، إذ فيه نقل الحكم من الأصل إلى الفرع .. .
ثم بين - سبحانه - جانبا من حكمته في إخراجهم فقال: وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ، لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ.
ولفظ «لولا» هنا حرف امتناع لوجود أي: امتنع وجود جوابها لوجود شرطها .. و «أن» مصدرية، وهي مع ما في حيزها في محل رفع على الابتداء. لأن لولا الامتناعية لا يليها إلا المبتدأ، والخبر محذوف.
والجلاء: الإخراج. يقال: جلا فلان عن مكان كذا، إذا خرج منه. وأجلاه عنه غيره، إذا أخرجه عنه:
قال القرطبي: والجلاء مفارقة الوطن، يقال جلا بنفسه جلاء، وأجلاه غيره إجلاء، والفرق بين الجلاء والإخراج - وإن كان معناهما في الإبعاد واحدا - من وجهين:
أحدهما: أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد، والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد.
الثاني: أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة، والإخراج يكون لواحد ولجماعة ... .
أي: ولولا أن الله - تعالى - قد قدر على هؤلاء اليهود، الجلاء عن ديارهم، لولا أن ذلك موجود، لعذبهم في الدنيا عذابا شديدا، استأصل معه شأفتهم.
ولكن الله - تعالى - كتب عليهم الجلاء دون القتل والإهلاك لمصلحة اقتضتها حكمته، لعل من مظاهرها أن يغنم المسلمون ديارهم وأموالهم، دون أن تراق دماء من الفريقين، ودون أن يعرض المؤمنون أنفسهم لمخاطر القتال.
وجملة «ولهم في الآخرة عذاب النار» مستأنفة. أي: أن هؤلاء اليهود إن نجوا من القتل
والإهلاك في الدنيا، فلن ينجوا في الآخرة من العذاب الذي يذلهم ويهينهم، بل سيحل بهم عذاب مقيم، لا فكاك لهم منه.
واسم الإشارة في قوله - تعالى - ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعود إلى ما نزل وسينزل بهم من عذاب.
وقوله - تعالى -: شَاقُّوا من المشاقة بمعنى المعاداة والمخاصمة، حتى لكأن كل واحد من المتخاصمين في شق ومكان يخالف شق صاحبه ومكانه.