ونفي العقل عنهم مراد به عقل التأدب الواجب في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم أو عقل التأدب المفعول عنه في عادتهم التي اعتادوها في الجاهلية من الجفاء والغلظة والعنجهية ، وليس فيها تحريم ولا ترتب ذنب.
وإنما قال الله تعالى: {أكثرهم لا يعقلون} لأن منهم من لم يناد النبي صلى الله عليه وسلم مثلَ ندائهم ، ولعل المقصود استثناء اللذيْن كانا أسلما من قبل.
فهذه الآية تأديب لهم وإخراج لهم من مذام أهل الجاهلية.
والوراء: الخلف ، وهو جهة اعتبارية بحسب موقع ما يضاف إليه.
والمعنى: أن الحجرات حاجزة بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم فهم لا يرونه فعبر عن جهة من لا يرى بأنها وراء.
و {من} للابتداء ، أي ينادونك نداء صادراً من وراء الحجرات فالمنادون بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم كانوا وراء حجراته فالذي يقول: ناداني فلان وراء الدار ، لا يريد وراء مفتح الدار ولا وراء ظهرها ولكن أيَّ جهة منها وكان القوم المنادون في المسجد فهم تجاه الحجرات النبوية ، ولو قال: ناداني فلان وراء الدار ، دون حرف {مِن} ، لكان محتمِلاً لأن يكون المنادي والمنادَى كلاهما في جهة وراء الدار ، وأنَّ المجرور ظرف مستقر في موضع الحال من الفاعل أو المفعول ولهذا أوثر جلب {مِن} ليدل بالصراحة على أن المنادَى كان داخل الحجرات لأن دلالة {مِن} على الابتداء تستلزم اختلافاً بين المبدإ والمنتهَى كذا أشار في"الكشاف"، ولا شك أنه يعني أن اجتلاب حرف {مِن} لدفع اللبس فلا ينافي أنه لم يُثبت هذا الفرق في قوله تعالى: {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم} في سورة الأعراف (17) وقوله: {ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض} في سورة الروم (25) .
وفيما ذكرنا ما يدفع الاعتراضات على صاحب الكشاف.
فلفظ {وراء} هنا مجاز في الجهة المحجوبة عن الرؤية.